عمر السهروردي

527

عوارف المعارف

وهكذا في الزهد لا يزال يتزهد بنازلة حال تريه لذة ترك الاشتغال بالدنيا ، وتقبح له الإقبال عليها فتمحو أثر حاله بدلالة شره النفس وحرصها على الدنيا ورؤية العاجلة ، حتى تتداركه المعونة من اللّه الكريم فيزهد ويستقر زهده ، ويصير الزهد مقامه . ولا تزال حال التوكل تقرع باب قلبه حتى يتوكل ، وهكذا حال الرضى حتى يطمئن على الرضى ، ويصير ذلك مقامه . وههنا لطيفة ، وذلك أن مقام الرضى والتوكل يثبت ويحكم ببقائه مع وجود داعية الطبع ، ولا يحكم ببقاء حال الرضى مع وجود داعية الطبع ، وذلك مثل كراهة يجدها الراضي بحكم الطبع ، ولكن علمه بمقام الرضى يغمر حكم الطبع ، وظهور حكم الطبع في وجود الكراهية المغمورة بالعلم لا يخرجه عن مقام الرضى ، ولكن يفقد حال الرضى ، لأن الحال لما تجردت موهبة أحرقت داعية الطبع ، فيقال كيف يكون صاحب مقام في الرضى ولا يكون صاحب حال فيه ، والحال مقدمه المقام ، والمقام أثبت ؟ نقول : لأن المقام لما كان مشوبا بكسب العبد احتمل وجود الطبع فيه ، والحال لما كانت موهبة من اللّه نزهت عن مزج الطبع ، فحال الرضى أصلف ، ومقام الرضى أمكن ، ولا بد للمقامات من زائد الأحوال ، فلا مقام إلا بعد سابقة حال ، ولا تفرد للمقامات دون سابقة الأحوال ، فمنها ما يصير مقاما ، ومنها مالا يصير مقاما ، والسر فيه ما ذكرناه أن الكسب في المقام ظهر ، والموهبة بطنت ، وفي الحال ظهرت الموهبة والكسب بطن . فلما كان في الأحوال الموهبة غالبة لم تتقيد وصارت الأحوال إلى مالا نهاية لها ، ولطف سنى الأحوال أن يصير مقاما ، ومقدورات الحق غير متناهية ، ومواهبه غير متناهية ، ولهذا قال بعضهم : لو أعطيت روحانية عيسى ، ومكالمة موسى ، وخلة إبراهيم عليه السلام ، لطلبت ما وراء ذلك ، لأن مواهب اللّه لا تنحصر ، وهذه أحوال الأنبياء ولا تعطى الأولياء ، ولكن هذه