عمر السهروردي

509

عوارف المعارف

ومنها يفيض نور العقل ، وفي نور العقل تتشكل العلوم . فالعقل للعلوم بمثابة اللوح المكتوب ، وهو بصفته منكوس متطلع إلى النفس تارة ، ومنتصب مستقيم تارة . فمن كان العقل فيه منكوسا إلى النفس فرقة في أجزاء الكون ، وعدم حسن الاعتدال بذلك ، وأخطأ طريق الاهتداء . ومن انتصب العقل فيه واستقام تأيد العقل بالبصيرة التي هي للروح بمثابة القلب ، واهتدى إلى المكون ، ثم عرف الكون بالمكون مستوفي أقسام المعرفة بالمكون والكون ، فيكون هذا العقل عقل الهداية . فكما أحب اللّه إقباله في أمر دله على إقباله عليه وما كرهه اللّه في أمر دله على الإدبار عنه ، فلا يزال يتبع محاب اللّه تعالى ويجتنب مساخطه ، وكلما استقام العقل وتأيد بالبصيرة كانت دلالته على الرشد ونهيه عن الغى . قال بعضهم : العقل على ضربين ، ضرب يبصر به أمر دنياه ، وضرب يبصر به أمر آخرته . وذكر : أن العقل الأول من نور الروح ، والعقل الثاني من نور الهداية . فالعقل الأول موجود في عامة ولد آدم ، والعقل الثاني موجود في الموحدين ، مفقود من المشركين . وقيل : إنما سمى العقل عقلا . لأن الجهل ظلمة ، فإذا غاب النور بصره في تلك الظلمة زالت الظلمة فأبصر فصار عقلا للجهل . وقيل : عقل الإيمان مسكنه في القلب ، ومتعمله في الصدر بين عيني الفؤاد .