عمر السهروردي

460

عوارف المعارف

فإن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مع كمال حاله كان له قيام الليل وصلوات يصليها ويداوم عليها ، وأوقات يخلو فيها . فطبع البشر لا يستغنى عن السياسة ، قل ذلك أو أكثر ، لطف ذلك أو كثف . وكم من مغرور قانع باليسير من طيبة القلب ، أتخذ ذلك رأس ماله ، واغتر بطيبة قلبة ، واستيرسل في الممازحة والمخالطة ، وجعل نفسه مناخا للبطالين بلقمة نؤكل عنده ، وبرفق يوجد منه ، فبقصده من ليس قصده الدين ، ولا يغيتة سلوك طريق المتقين . فافتتن وأفتن ، وبقي حطة القصور ، ووقع في دائرة الفتور ، فما يستغنى الشيخ عن الاستمداد من اللّه تعالى ، والتضرع بين يدي اللّه بقلبه إن لم يكن بقالبه وقلبه ، فيكون له في كل كلمة إلى اللّه رجوع ، وفي كل حركة بين يدي اللّه خضوع . وإنما دخلت الفتنة على المغرورين المدعين للقوة والاسترسال في الكلام والمخالطة لقلة معرفتهم بصفات النفس ، واغترارهم بيسير من الموهبة ، وقلة تأدبهم بالشيوخ . كان الجنيد رحمه اللّه بقول لأصحابه : لو علمت أن صلاة ركعتبنلى أفضل من جلوسى معكم ما جلست عندكم . فإذا رأى الفضل في الخلوة يخلو ، وإذا رأى الفضل في الجلوة يجلس مع الأصحاب ، فتكون جلوته في حماية خلوته ، وجلوته مزيدا لخلوته . وفي هذا سر ، وذلك أن الآدمي ذو تركيب مختلف ، فيه تضاد وتغاير على ما أسلفنا من كونه مترددت بين السفلى والعلوي ، ولما فيه من التغاير ، له حظ من الفتور عن الصبر على صرف الحق ، ولهذا كان لكل عاقل فترة . والفترة قد تكون تارة في صورة العمل ، وتارة في عدم الروح في العمل ، وإن لم تكن في صورة العمل ففي وقت الفترة للمريدين والسالكين تضييع