عمر السهروردي
451
عوارف المعارف
ثم قال ثابت لسالم بن حذيفة : ما كنا نقاتل أعداء اللّه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم مثل هذا ، ثم ثبتا ولم يزالا يقاتلان حتى قتل واستشهد ثابت كما وعده رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وعليه درع ، فرآه رجل من الصحابة بعد موته في المنام ، فقال له أعلم أن فلانا رجلا من المسلمين نزع درعى فذهب بها وهو في ناحية من العسكر وعنده فرس يستن في طيه وقد وضع على درعى برمة . فأت خالد بن الوليد فأخبره حتى يسترد درعى ، وأت أبا بكر خليفة رسول اللّه عليه السلام فقل له إن على دينا حتى يقضى عنى ، وفلان من عبيدي عتيق ، فأخبر الرجل خالدا فوجد الدرع والفرس على ما وصفه ، فاسترد الدرع ، وأخبر خالد أبا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أبو بكر وصيته . قال مالك بن أنس رضى اللّه عنهما : لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه . فهذه كرامة ظهرت لثابت بحسن تقواه وأدبه مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فليعتبر المريد الصادق ويعلم أن الشيخ عنده تذكرة من اللّه ورسوله ، وأن الذي يعتمده مع الشيخ عوض ما لو كان في زمن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، واعتمده مع رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . فلما قام القوم بواجب الأدب أخبر الحق عن حالهم وأثنى عليهم فقال : أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى « 1 » . أي اختبر قلوبهم وأخلصها كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصة ، وكما أن اللسان ترجمان القلب وتهذب اللفظ لتأدب القلب ، فهكذا ينبغي أن يكون المريد مع الشيخ . قال أبو عثمان : الأدب عند الأكابر ، وقى مجالسة السادات من الأولياء ، يبلغ بصاحبه إلى الدرجات العلى ، والخير في الأولى والعقبى ، ألا ترى إلى قول اللّه تعالى : وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ « 2 » .
--> ( 1 ) سورة الحجرات : آية رقم : 3 . ( 2 ) سورة الحجرات : آية رقم : 5 .