عمر السهروردي

407

عوارف المعارف

وإن قرأ في كل ليلة المسبحات وأضاف إليها سورة الأعلى فتصير ستا ، فقد كان العلماء يقرأون هذه السور ويترقبون بركتها . فإذا استيقظ من النوم فمن أحسن الأدب عند الانتباه أن يذهب بباطنه إلى اللّه ، ويصرف فكره إلى أمر اللّه ، قبل أن يجول الفكر في شيء سوى اللّه ، ويشغل اللسان بالذكر ، فالصادق كالطفل الكلف بالشيء إذا نام ينام على محبة الشيء . وإذا انتبه يطلب ذلك الشيء الذي كان كلف به ، وعلى حسب هذا الكلف والشغل يكون الموت والقيام إلى الحشر ، فلينظر وليعتبر عند انتباهه من النوم ما همه ، فإنه هكذا يكون عند القيام من القبر ، إن كان همه اللّه فهمه هو ، وإلا فهمه غير اللّه . والعبد إذا انتبه من النوم فباطنه عائد إلى طهارة الفطرة ، فلا يدع الباطن يتغير بغير ذكر اللّه تعالى ، حتى لا يذهب عنه نور الفطرة الذي انتبه عليه ، ويكون فارا إلى ربه بباطنه خوفا من ذكر الأغيار ، ومهما وفي الباطن بهذا المعيار . فقد انتفى طريق الأنوار ، وطرق النفحات الإلهية ، فجدير أن تنصب إليه أقسام الليل انصبابا ، ويصير جناب القرب له موئلا ومآبا ، ويقول باللسان : الحمد للّه الذي أحيانا بعد ما أماتنا وإليه النشور ، ويقرأ العشر الأواخر من سورة آل عمران ، ثم يقصد الماء الطهور . قال اللّه تعالى وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّماءِ ماءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ « 1 » . وقال عز وجل : أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِها « 2 » قال عبد اللّه بن عباس رضى اللّه عنهما : الماء القرآن ، والأودية القلوب ، فسالت بقدرها واحتملت ما وسعت . والماء مطهر والقرآن مطهر ، والقرآن بالتطهير أجدر ، فالماء يقوم غيره مقامه ، والقرآن والعلم لا يقوم غيره مقامه ولا يسد مسده .

--> ( 1 ) سورة الأنفال : آية 11 . ( 2 ) سورة الرعد : آية 17 .