عمر السهروردي
97
عوارف المعارف
قبالولادة الأولى يصير له ارتباط بعالم الملك ، وبهذه الولادة يصير له ارتباط بالملكوت . قال اللّه تعالى : وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ ( 75 ) « 1 » . وصرف اليقين على الكمال يحصل في هذه الولادة ، وبهذه يستحق ميراث الأنبياء ، ومن لم يصله ميراث الأنبياء ما ولد ، وإن كان على كمال من الفطنة والذكاء ، لأن الفطنة والذكاء نتيجة العقل ، والعقل إذا كان يابسا من نور الشرع لا يدخل الملكوت ، ولا يزال مترددا في الملك ، ولهذا وقف على برهان من العلوم الرياضية ، لأنه تصرف في الملك ولم يرتق إلى الملكوت . والملك ظاهر الكون ، والملكوت باطن الكون ، والعقل لسان الروح . والبصيرة التي منها تنبعث أشعة الهداية قلب الروح ، واللسان ترجمان القلب ، وكل ما ينطق به الترجمان معلوم عند من يترجم عنه ، وليس كل ما عند من يترجم عنه يبرز إلى الترجمان ، فلهذا المعنى حرم الواقفون مع مجرد العقول العارية عن نور الهداية ، الذي هو موهبة اللّه تعالى عند الأنبياء وأتباعهم الصواب ، وأسبل دونهم الحجاب لوقوفهم مع الترجمان ، وحرمانهم غاية التبيان . وكما أن في الولادة الطبيعة ذرات الأولاد صلب الأب مودعة ، تنقل إلى أصلاب الأولاد بعد كل ولد ذرة ، وهي الذرات التي خاطبها اللّه تعالى يوم الميثاق بألست بربكم ، قالوا بلى ، حيث مسح ظهر آدم وهو ملقى ببطن نعمان . بين مكة والطائف ، فسالت الذرات من مسام جسده كما يسيل العرق بعدد كل ولد من ولد آدم ذرة . ثم لما خوطبت وأجابت ردت إلى ظهر آدم . فمن الآباء من تنذ الذرات في صلبه ، ومنهم من لم يودع في صلبه شئ فينقطع نسله . وهكذا المشايخ ، فمنهم من تكثر أولاده ، ويأخذون منه العلوم والأحوال ، ويودعونها غيرهم ،
--> ( 1 ) سورة الأنعام آية : 75 .