عمر السهروردي

92

عوارف المعارف

واللّه تعالى منزه أن يحل به شئ ، حتى لعل بعض المفتونين يكون عنده ذكاء وفطنة غريزية ، ويكون قد سمع كلمات تعلقت بباطنه ، فيتألف له في فكره كلمات ينسبها إلى اللّه تعالى ، وأنها مكالمة اللّه تعالى إياه ، مثل أن يقول قال لي وقلت له ، وهذا رجل إما جاهل بنفسه ، وحديثها ، جاهل ، بربه وبكيفية المكالمة والمحادثة ، وإما عالم ببطلان ما يقول يحمله هواه على الدعوى بذلك ليوهم أنه ظفر بشئ . وكل هذا ضلال ، ويكون سبب تجرّئه على هذا ما سمع من كلام بعض المحققين مخاطبات وردت عليهم بعد طول معاملات لهم ظاهرة وباطنة ، وتمسكهم بأصول القوم من صدق التقوى وكمال الزهد في الدنيا . فلما صفت أسرارهم تشكلت في سرائرهم مخاطبات موافقة للكتاب والسنة ، فنزلت تلك المخاطبات عند استغراق السرائر ، ولا يكون ذلك كلاما يسمعونه ، بل كحديث في النفس يجدونه برؤية موافقا للكتاب والسنة ، مفهوما عند أهله ، موافقا للعلم . ويكون ذلك ، مناجاة لسرائرهم ، ومناجاة سرائرهم إياهم ، فيثبتون لنفوسهم وإلى مولاهم ، وهم مع ذلك عالمون بأن ذلك ليس كلام اللّه ، وإنما هو علم حادث أحدثه اللّه في بواطنهم . فطريق الأصحاء في ذلك الفرار إلى اللّه تعالى من كل ما تحدث نفوسهم به ، حتى إذا برئت ساحتهم من الهوى الهموا في بواطنهم شيئا ينسبونه إلى اللّه تعالى نسبة الحادث إلى المحدث ، لا نسبة الكلام إلى المتكلم ، ليصانوا عن الزيغ والتحريف . ومن أولئك قوم يزعمون أنهم يغرقون في بحار التوحيد ويسقطون ولا يثبتون لنفوسهم حركة وفعلا ويزعمون أنهم مجبورون على الأشياء ، وأن لا فعل لهم مع فعل اللّه ، ويسترسلون في المعاصي ، وكل ما تدعوا النفس إليه ،