عمر السهروردي

73

عوارف المعارف

وهذا إن كان لا يستقيم من حيث الاشتقاق اللغوي ، ولكن صحيح من حيث المعنى ، لأن الصوفية يشاكل حالهم حال أولئك ، لكونهم مجتمعين متألفين ، متصاحبين للّه وفي اللّه ، كأصحاب الصفة ، وكانوا نحوا من أربعمائة رجل ، لم تكن لهم مساكن بالمدينة ، ولا عشائر ، جمعوا أنفسهم في المسجد كاجتماع الصوفية قديما وحديثا في الزوايا والربط ، وكانوا لا يرجعون إلى زرع ولا إلى ضرع ولا إلى تجارة ، كانوا يحتطبون ويرضخون النوء بالنهار ، وبالليل يشتغلون بالعبادة وتعلم القرآن وتلاوته ، وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يواسيهم ، ويحث الناس على مواساتهم ، ويجلس معهم ، ويأكل معهم ، وفيهم نزل قوله تعالى : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ ما عَلَيْكَ مِنْ حِسابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَما مِنْ حِسابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ ( 52 ) « 1 » . وقوله تعالى : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَداةِ وَالْعَشِيِّ ( 28 ) « 2 » . ونزل في ابن أم مكتوم قوله تعالى : عَبَسَ وَتَوَلَّى ( 1 ) أَنْ جاءَهُ الْأَعْمى ( 2 ) « 3 » . كان من أهل الصفة فعوتب النبي صلى اللّه عليه وسلم لأجله . وكان رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم إذا صافحهم لا ينزع يده من أيديهم ، وكان يفرقهم على أهل الجدة والسعة ، يبعث مع واحد ثلاثة ، ومع الآخر أربعة . وكان سعد بن معاذ يحمل إلى بيته منهم ثمانين يطعمهم .

--> ( 1 ) سورة الأنعام آية : 52 . ( 2 ) سورة الكهف آية : 28 . ( 3 ) سورة عبس آية : 1 ، 2 .