عمر السهروردي

67

عوارف المعارف

فإذا اتضح ذلك ظهر الفرق بين الفقر والتصوف ، وعلم أن الفقر أساس التصوف وبه قوامه ، على معنى أن الوصول إلى رتب التصوف طريقه الفقر ، لا على معنى أنه يلزم من وجود التصوف وجود الفقر . قال الجنيد رحمة اللّه عليه : التصوف هو أن يمتك الحق عنك ، ويحييك به . وهذا المعنى هو الذي ذكرناه من كونه قائما في الأشياء باللّه لا بنفسه . والفقير والزاهد مكنان في الأشياء بنفسهما ، واقفان مع إرادتهما ، مجتهدان مبلغ علمهما . والصوفي متهم لنفسه ، مستقل لعلمه ، غير راكن إلى معلومه ، قائم بمراد ربه لا بمراد نفسه . قال ذو النون المصري رحمة اللّه عليه : الصوفي من لا يتعبه طلب ، ولا يزعجه سلب . وقال أيضا : الصوفية آثروا اللّه تعالى على كل شئ ، فأثرهما اللّه على كل شئ . فكان من إيثارهم أن آثروا علم اللّه على علم نفوسهم ، وإرادة اللّه على إرادة نفوسهم . قيل لبعضهم : من أصحب من الطوائف ؟ قال : الصوفية ، فإن للقبيح عندهم وجها من المعاذير ، وليس للكبير من العمل عندهم وقع يرفعونك به فتعجبك نفسك ، وهذا علم لا يوجد عند الفقير والزاهد ، لان الزاهد يستعظم الترك ، ويستقبح الأخذ ، وهكذا الفقير ، وذلك لضيق وعائهم ، ووقوفهم على حد علمهم . وقال بعضهم : الصوفي من إذا استقبله حالان حسنان أو خلقان حسنان يكون مع الأحسن ، والفقير والزاهد لا يميزان كل التمييز بين الخلقين الحسنين ، بل يختاران من الأخلاق أيضا ما هو أدعى إلى الترك ، والخروج عن شواغل الدنيا ، حاكمان في ذلك بعلمهم ، والصوفي هو المستبين الأحسن من