عمر السهروردي

49

عوارف المعارف

فيعلم منتهى أقدام العلماء في علومهم ، وفائدة كل علم ، والعلوم الجزئية متجزئة في النفوس بالتعليم والممارسة ، فلا يغنيه عامة الكلي أن يراجع في الجزئي أهله الذين هم أوعيته ، فنفوس هؤلاء امتلأت من الجزئي واشتغلت به ، وانقطعت بالجزئي عن الكلي . ونفوس العلماء الزاهدين بعد الأخذ مما لابد لهم منه في أصل الدين وأساسه من الشرع أقبلوا على اللّه ، وانقطعوا إليه ، وخلصت أرواحهم إلى مقام القرب منه ، فأفاضت أرواحهم على قلوبهم أنوارا تهيأت بها قلوبهم لإدراك العلوم . فأرواحهم ارتفعت عن حد إدراك العلوم ، بعكوفها على العالم الأزلي ، وتجردت عن وجود يصلح أن يكون وعاء للعلم ، وقلوبهم بنسبة وجهها الذي يلي النفوس صارت أوعية وجودية ، تتناسب وجود العلم بالنسبة الوجودية ، فالفت العلوم ، وتألفتها العلوم بمناسبة انفصال العلوم باتصالها باللوح المحفوظ . والمعنى بالانفصال انتقاشها في اللوح لا غير ، وانفصال القول عن مقام الأرواح لوجود انجذابها إلى النفوس ، فصار بين المنفصلين نسبة اشتراك موجب للتألف ، فحصلت العوم لذلك ، وصار العالم الرباني راسخا في العلم ، أوحي اللّه تعالى في بعض الكتب المنزلة : يا بني إسرائيل لا تقولوا العلم في السماء من ينزل به ، العلم مجمول في قلوبهم ، تأدبوا بين يدي بآداب الروحانيين ، وتخلقوا إلى بأخلاق الصديقين ، نهر العلم من قلوبكم حتى يغطيكم أو يغمركم . فالتأدب بآداب الروحانيين حصر النفوس عن تقاضي جبلاتها ، وقمعها بصريح العلم في كل قول وفعل ، ولا يصح ذلك إلا لمن علم وقرب وتطرق إلى الحضور بين يدي اللّه تعالي فيحتفظ بالحق للحق ، أخبرنا شيخنا أبو النجيب عبد القاهر السهروردي إجازة ، قال أخبرنا أبو منصور ابن خيرون إجازة ، قال أنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري إجازة ، قال أنا أبو عمر محمد بن العباس ، قال حدثنا أبو محمد يحي بن صاعد ، قال حدثنا الحسين بين الحسن المروزي ، قال أنا عبد اللّه بن المبارك ، قال أنا