عمر السهروردي
47
عوارف المعارف
أعجمي ، أحب أن تعلمني أول مبتدى ديني ومفتاح صلاتي كيف أتوضأ للصلاة ، قال نعم وكرامة . يا غلام هات إناء فيه ماء ، فأتى بإناء فيه ماء فقعد الطنافسي فتوضأ ثلاثا ثلاثا ثم قال هكذا فتوضأ ، فقعد فتوضأ حاتم ثلاثا ثلاثا ، حتى إذا بلغ غسل الذراعين غسل أربعا ، فقال له الطنافسي : يا هذا أسرفت ، فقال له حاتم في ماذا ؟ قال : غسلت ذراعيك أربعا ، قال حاتم : يا سبحان اللّه أنا في كف ماء أسرفت وأنت في هذا الجمع كله لم تسرف ؟ فعلم الطنافسي أنه أراده بذلك ولم يرد منه التعلم ، فدخل البيت ولم يخرج إلى الناس أربعين يوما . وكتب تجار الري وقزوين ما جرى بينه وبين ابن مقاتل والطنافسي ، فلما دخل بغداد اجتمع إليه أهل بغداد ، فقالوا له : يا أبا عبد الرحمن أنت رجل ألكن أعجمي ليس يكلمك أحد إلا وقطعته ، قال : معي ثلاث خصال بهن أظهر على خصمي ، قالوا : أي شئ هي ؟ قال : أفرح إذا أصاب خصمي ، وأحزن إذا أخطأ ، وأحفظ نفسي ألا أجهل عليه . فبلغ ذلك أحمد بن حنبل ، فجاء إليه وقال : سبحان اللّه ما أعقله . فلما دخلوا عليه قالوا يا أبا عبد الرحمن ما السلامة من الدنيا ؟ قال حاتم : يا أبا عبد اللّه لا تسلم من الدنيا حتى يكون معك أربع خصال ، قال : أي شئ هي يا أبا عبد الرحمن ؟ قال : تغفر للقوم جهلهم ، وتمنع جهلك عنهم ، وتبذل لهم شيئك ، وتكون من شيئهم آيسا ، فإذا كان هذا سلمت . ثم سار إلى المدينة . قال اللّه تعالى : . . . إِنَّما يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ . . . « 1 » ذكر بكلمة إنما ، فينتفى العلم عمن لا يخشى اللّه ، كما إذا قال إنما يدخل الدار بغدادي ينتفى دخول غير البغدادي الدار . فلاح لعلماء الآخرة أن الطريق مسدود إلى أنصبة المعارف ومقامات القرب إلا بالزهد والتقوى .
--> ( 1 ) سورة الفاطر : الآية 28 .