عمر السهروردي

44

عوارف المعارف

ومعرفة وقت السكوت عن الدعاء ، وعلم المحبة ، والفرق بين المحبة العامة المفسرة بامتثال الأمر والمحبة الخاصة . وقد أنكر طائفة من علماء الدنيا دعوى علماء الآخرة المحبة الخاصة ، كما أنكروا الرضا وقالوا : ليس إلا الصبر وانقسام المحبة الخاصة إلى محبة الذات وإلى محبة الصفات ، والفرق بين محبة القلب ، ومحبة الروح ، ومحبة العقل ومحبة النفس ، والفرق بين مقام المحب والمحبوب ، والمريد والمراد ، ثم علوم المشاهدات ، كعلم الهيبة والأنس ، والقبض والبسط ، والفرق بين القبض والهم والبسط والنشاط ، وعلم الفناء والبقاء ، وتفاوت أحوال الفناء ، والاستتار والتجلي ، والجمع والفرق ، واللوامع والطوالع ، والبوادي والصحو والسكر ، إلى غير ذلك ، لو اتسع الوقت ذكرناها وشرحناها في مجلدات ، ولكن العمر قصير ، والوقت عزيز ، ولولا سهم الغفلة ، لضاق الوقت عن هذا القدر أيضا . وهذا المختصر المؤلف يحتوى من علوم القوم على طرف صالح نرجو من اللّه الكريم أن ينفع به ويجعله حجة لنا لا حجة علينا . وهذه كلها علوم من ورائها علوم عمل بمقتضاها وظفر بها علماء الآخرة الزاهدون ، وحرم ذلك علماء الدنيا الراغبون ، وهي علوم ذوقية لا يكاد النظر يصل إليها إلا بذوق ووجدان ، كالعلم بكيفية حلاوة السكر لا يحصل بالوصف ، فمن ذاقه عرفه . وينبئك عن شرف علم الصوفية وزهاد العلماء أن العلوم كلها لا يتعذر تحصيلها مع محبة الدنيا والإخلال بحقائق التقوى ، وربما كان محبة الدنيا عونا على اكتسابها لأن الاشتغال بها شاق على النفوس ، فجبلت النفوس على محبة الجاه والرفعة ، حتى إذا استشعرت حصول ذلك بحصول العلم أجابت إلى تحمل الكلف ، وسهر الليل ، والصبر على الغربة والأسفار ، وتعذر الملاذ والشهوات .