عمر السهروردي

34

عوارف المعارف

وهذا الكلام محرض لكل طالب صاحب همة أن يصفي موارد الكلام ، وبفهم دقيق معانيه وغامض أسراره من قلبه . فللصوفي بكمال الزهد في الدنيا ، وتجريد القلب عما سوى اللّه تعالى ، مطلع من كل آية ، وله بكل مرة في التلاوة مطلع جديد وفهم عتيد ، وله بكل فهم عمل جديد ، ففهمهم يدعو إلى العمل ، وعملهم يجلب صفاء الفهم ودقيق النظر في معاني الخطاب . فمن العلم علم ، ومن العلم عمل ، والعلم والعمل يتناوبان فيه . وهذا العمل آنفا إنما هو عمل القلوب ، وعمل القلوب غير عمل القالب ، وأعمال القلوب للطفها وصداقتها مشاكلة للعلوم ، لأنها نيات وطويات وتعلقات روحية ، وتأدبات قلبية ، ومسامرات سرية . وكلما أتوا بعمل من هذه الأعمال رفع لهم علم من العلم ، واطلعوا على مطلع من فهم الآية جديد . ويخالج سرى أن يكون المطلع ليس بالوقوف بصفاء الفهم على دقيق المعنى وغامض السر في الآية ، ولكن المطلع أن يطلع عند كل آية على شهود المتكلم بها ، لأنها مستودع وصف من أوصافه ، ونعت من نعوته ، فيتجدد له التجليات بتلاوة الآيات وسماعها ، ويصير له مراء منبئة عن عظيم الجلال . ولقد نقل عن جعفر الصادق رضى اللّه عنه أنه قال : لقد يجلي اللّه تعالى لعباده في كلامه ولكن لا يبصرون ، فيكون كل آية مطلع من هذا الوجه ، فالحد حد الكلام ، والمطلع الترقي عن حد الكلام إلى شهود المتكلم . وقد نقل عن جعفر الصادق أيضا أنه خر مغشيا عليه وهو في الصلاة ، فسئل عن ذلك فقال : ما زلت أردد الآية حتى سمعتها من المتكلم بها . فالصوفي لما لاح له نور ناصية التوحيد ، والقى سمعه عند سماع الوعد والوعيد ، وقلبه بالتخلص عما سوى اللّه تعالى ، صار بين يدي اللّه حاضرا شهيدا يرى لسانه أو لسان غيره في التلاوة كشجرة موسى عليه السلام