عمر السهروردي

298

عوارف المعارف

الباب الحادي والثلاثون في ذكر الأدب ومكانه من التصوف روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « أدبنى ربى فأحسن تأديبى » . فالأدب تهذيب الظاهر والباطن ، فإذا تهذب ظاهر العبد وباطنه صار صوفيا أديبا . وإنما سميت المأدبة مأدبة لاجتماعهما على أشياء . ولا يتكامل الأدب في العبد إلا بتكامل مكارم الأخلاق . ومكارم الأخلاق مجموعها في تحسين الخلق ، فالخلق صورة الإنسان ، والخلق معناه . فقال بعضهم : الخلق لا سبيل إلى تغييره كالخلق . وقد ورد : فرغ ربكم من الخلق والخلق والرزق والأجل . وقال تعالى لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ « 1 » . والأصح أن تبديل الأخلاق ممكن مقدور عليه بخلاف الخلق . وقد روى عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أنه قال « حسنوا أخلاقكم » وذلك أن اللّه تعالى خلق الإنسان وهيأه لقبول الصلاح والفساد ، وجعله أهلا للأدب ومكارم الأخلاق . ووجود الأهلية فيه كوجود النار في الزناد ، ووجود النخل في النوى . ثم إن اللّه تعالى بقدرته ألهم الإنسان ومكنه من إصلاحه بالتربية إلى أن يصير النوى نخلا ، والزناد بالعلاج حتى تخرج منه نار ، وكما جعل في نفس الإنسان صلاحية الخير جعل فيها صلاحية الشر حال الإصلاح والإفساد . فقال سبحانه وتعالى وَنَفْسٍ وَما سَوَّاها ( 7 ) فَأَلْهَمَها فُجُورَها وَتَقْواها ( 8 ) « 2 » . فتسويتها بصلاحيتها للشيئين جميعا . ثم قال عز وجل

--> ( 1 ) سورة الروم : الآية 30 . ( 2 ) سورة الشمس : الآيات 7 - 8 .