عمر السهروردي
274
عوارف المعارف
غريزته السخاء والسخى يوشك أن يصير صوفيا ، لأن السخاء صفة الغريزة ، وفي مقابلته الشح ، والشح من لوازم صفة النفس . قال اللّه تعالى وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ « 1 » . حكم بالفلاح لمن يوقى الشح ، وحكم بالفلاح لمن أنفق وبذل فقال وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ « 2 » . أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ( 5 ) « 3 » . والفلاح أجمع اسم لسعادة الدارين . والنبي عليه السلام نبه بقوله « ثلاث مهلكات وثلاث منجيات » فجعل إحدى المهلكات شحا مطاعا ، ولم يقل مجرد الشح يكون مهلكا ، بل يكون مهلكا إذا كان مطاعا ، فأما كونه موجودا في النفس غير مطاع فإنه لا ينكر ذلك ، لأنه من لوازم النفس مستمدا من أصل جبلتها الترابى ، وفي التراب قبض وإمساك ، وليس ذلك بالعجب من الآدمي وهو جبلى فيه ، وإنما العجب وجود السخاء في الغريزة ، وهو لنفوس الصوفية الداعي لهم إلى البذل والإيثار . والسخاء أتم وأكمل من الجود ، ففي مقابلة الجود البخل ، وفي مقابلة السخاء الشح ، والجود والبخل يتطرق إليهما الاكتساب بطريق العادة ، بخلاف الشح والسخاء إذا كان من ضرورة الغريزة . وكل سخى جواد وليس كل جواد سخيا . والحق سبحانه وتعالى لا يوصف بالسخاء ، لأن السخاء من نتيجة الغرائز ، واللّه تعالى منزه عن الغريزة . والجود يتطرق إليه الرياء ويأتي به الإنسان متطلعا إلى عوض من الخلق أو الحق بمقابل ما من الثناء وغيره من الخلق والثواب من اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سورة الحشر : الآية 9 . ( 2 ) سورة البقرة : الآية 3 . ( 3 ) سورة البقرة : الآية 5 .