عمر السهروردي
26
عوارف المعارف
ورأوا كلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الذي لا ينطق به عن الهوى ، إن هو إلا وحي يوحى ، من عند اللّه تعالى ، يتعين الاستماع إليه ، فكان من أهم ما عندهم الاستعداد للاستماع ، ورأوا أن حسن الاستماع قرع باب الملكوت ، واستنزال بركة الرغبوت والرهبوت . ورأوا أن الوساوس أدخنة ثائرة من نار النفس الأمارة بالسوء ، وقتام يتراكم من نفث الشيطان ، وأن الخطوط العاجلة والأقسام الدنيوية التي هي مناط الهوى ومثار الردى ، بمثابة الحطب الذي تزداد النار به تأججا ، ويزداد القلب به تحرجا ، فرفضوا الدنيا وزهدوا فيها . فلما انقطعت عن نار النفس أحطابها ، وفترت نيرانها ، وقل دخانها ، شهدت بواطنهم وقلوبهم ومصادر العلوم ، فهيئوا مواردها بصفاء الفهوم ، فلما شهدوا سمعوا . قال اللّه تعالى : إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ « 1 » . قال الشبلي رحمه اللّه : موعظة القرآن لمن قلبه حاضر مع اللّه لا يغفل عنه طرفة عين . قال يحيى بن معاذ الرازي : القلب قلبان : قلب قد احتشى بأشغال الدنيا ، حتى إذا حضر أمر من أمور الطاعة لم يدر صاحبه ما يصنع من شغل قلبه بالدنيا . وقلب قد احتشى بأحوال الآخرة ، حتى إذا حضر أمر من أمور الدنيا لم يدر صاحبه ما يصنع لذهاب قلبه في الآخرة . فانظر كم بين بركة تلك الأفهام الثابتة ، وشؤم هذه الأشغال الفانية التي أقعدتك عن الطاعة . وقال بعضهم : لمن كان له قلب سليم من الأغراض والأمراض .
--> ( 1 ) سورة ق : الآية 37 .