عمر السهروردي

244

عوارف المعارف

ومنهم من كان ينقص كل ليلة ربع سبع الرغيف ، حتى يفنى الرغيف في شهر . ومنهم من كان يؤخر الأكل ولا يعمل في تقليل القوت ، ولكن يعمل في تأخيره بالتدريج ، حتى تندرج ليلة في ليلة ، وقد فعل ذلك طائفة حتى انتهى طيهم إلى سبعة أيام ، وعشرة أيام ، وخمسة عشر يوما ، إلى الأربعين . وقد قيل لسهل بن عبد اللّه : هذا الذي يأكل في كل أربعين وأكثر أكلة أين يذهب لهب الجوع عنه ؟ قال : يطفئه النور . وقد سألت بعض الصالحين عن ذلك فذكر لي كلاما بعبارة دلت على أنه يجد فرحا بربه ينطفئ معه لهب الجوع ، وهذا في الخلق واقع أن الشخص يطرقه فرح وقد كان جائعا فيذهب عنه الجوع . وهكذا في طرق الخوف يقع ذلك . ومن فعل ذلك ودرج نفسه في شيء من هذه الأقسام التي ذكرناها لا يؤثر ذلك في نقصان عقله واضطراب جسمه ، إذا كان في حماية الصدق والإخلاص ، وإنما يخشى في ذلك وفي دوام الذكر على من لا يخلص للّه تعالى . وقد قيل : حد الجوع أن لا يميز بين الخبز وغيره مما يؤكل . ومتى عيبت النفس الخبز فليس بجائع ، وهذا المعنى قد يوجد في آخر الحدين بعد ثلاثة أيام وهذا جوع الصديقين ، وطلب الغذاء عند ذلك يكون ضرورة لقوام الجسد والقيام بفرائض العبودية ، ويكون هذا حد الضرورة لمن لا يجتهد في التقليل بالتدريج . فأما من درج نفسه في ذلك فقد يصير على أكثر من ذلك إلى الأربعين كما ذكرنا . وقد قال بعضهم : حد الجوع أن يبزق ، فإذا لم يقع الذباب على بزاقه يدل هذا على خلو المعدة من الدسومة ، وصفاء البزاق كالماء الذي لا يقصده الذباب .