عمر السهروردي
240
عوارف المعارف
ليزدادوا بها يقينا يجذبون به إلى مراغمة النفوس ، والسلو عن ملاذ الدنيا ، ويستنهض منهم بذلك ساكن عزمهم لعمارة الأوقات بالقربات ، فيتروحون بذلك ، ويرقون لطريقة من كوشف بصرف اليقين من ذلك ، لمكان أن نفسه أسرع إجابة ، وأسهل انقيادا ، وأتم استعدادا . والأولون استلين بذلك ، منهم ما استوعر واستكشف ، منهم ما استتر ، وقد لا يمنع صور ذلك الرهابين والبراهمة ، ممن هو غير منتهج سبل الهدى ، وراكب طريق الردى ، ليكون ذلك في حقهم مكرا واستدراجا ، ليستحسنوا حالهم ، ويستقروا في مقار الطرد والبعد إبقاء لهم فيما أراد اللّه منهم من العمى والضلال ، والردى والوبال ، حتى لا يغتر السالك بيسير شيء يفتح له ، ويعلم أنه لو مشى على الماء والهواء لا ينفعه ذلك حتى يؤدى حق التقوى والزهد . فأما من تعوق بخيال ، أو قنع بمحال ولم يحكم أساس خلوته بالإخلاص يدخل الخلوة بالزور ، ويخرج بالغرور ، فيرفض العبادات ويستحقرها ، ويسلبه اللّه تعالى لذة المعاملة ، وتذهب عن قلبه هيبة الشريعة ، ويفتضح في الدنيا والآخرة . فليعلم الصادق أن المقصود من الخلوة التقرب إلى اللّه تعالى بعمارة الأوقات ، وكف الجوارح عن المكروهات ، فيصلح لقوم من أرباب الخلوة إدامة الأوراد ، وتوزيعها على الأوقات ، ويصلح لقوم ملازمة ذكر واحد ، ويصلح لقوم دوام المراقبة ، ويصلح لقوم الانتقال من الذكر إلى الأوراد ، ولقوم الانتقال من الأوراد إلى الذكر ، ومعرفة مقادير ذلك يعلمه المصحوب للشيخ ، المطلع على اختلاف الأوضاع وتنويعها ، مع نصحه للأمة وشفقته على الكافة ، يريد المريد للّه لا لنفسه ، غير مبتلى بهوى نفسه ، محبا للاستتباع . ومن كان محبا للاستتباع فما يفسده مثل هذا أكثر مما يصلحه .