عمر السهروردي
227
عوارف المعارف
الباب السادس والعشرون في خاصية الأربعينية التي يتعاهدها الصوفية ليس مطلوب القوم من الأربعين شيئا مخصوصا لا يطلبونه في غيرها ، ولكن لما طرقتهم مخالفات حكم الأوقات أحبوا تقييد الوقت بالأربعين ، رجاء أن ينسحب حكم الأربعين على جميع زمانهم ، فيكونوا في جميع أوقاتهم كهيئتهم في الأربعين ، على أن الأربعين خصت بالذكر في قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « من أخلص للّه أربعين صباحا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه » . وقد خص اللّه تعالى الأربعين بالذكر في قصة موسى عليه السلام ، وأمره بتخصيص الأربعين بمزيد تبتل . قال اللّه تعالى : * وَواعَدْنا مُوسى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْناها بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً « 1 » وذلك أن موسى عليه السلام وعد بني إسرائيل وهم بمصر أن اللّه تعالى إذا أهلك عدوهم واستنقذهم من أيديهم يأتيهم بكتاب من عند اللّه تعالى ، فيه تبيان الحلال والحرام ، والحدود والأحكام . فلما فعل اللّه ذلك ، وأهلك فرعون ، سأل موسى ربه الكتاب ، فأمره اللّه تعالى أن يصوم ثلاثين يوما ، وهو ذو القعدة ، فلما تمت الثلاثون ليلة ، أنكر خلوف فمه فتسوك بعود خرنوب ، فقالت له الملائكة : كنا نشم من فيك رائحة المسك فأفسدته بالسواك ، فأمره اللّه تعالى أن يصوم عشرة أيام من ذي الحجة ، وقال له : أما علمت أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك ، ولم يكن صوم موسى عليه السلام ترك الطعام بالنهار وأكله بالليل ، بل طوى الأربعين من غير أكل ، فدل على أن خلو المعدة من الطعام أصل كبير في الباب حتى احتاج موسى إلى ذلك مستعدا لمكالمة اللّه تعالى .
--> ( 1 ) سورة الأعراف : آية 142 .