عمر السهروردي

207

عوارف المعارف

الباب الثالث والعشرون في القول في السماع ردا وإنكارا قد ذكرنا وجه صحة السماع وما يليق منه بأهل الصدق ، وحيث كثرت الفتنة بطريقة ، وزالت العصمة فيه ، وتصدى للحرص عليه أقوام قلت أعمالهم ، وفسدت أحوالهم ، وأكثروا الاجتماع للسماع ، وربما يتخذ للاجتماع طعام تطلب النفوس الاجتماع لذلك ، لا رغبة للقلوب في السماع ، كما كان من سير الصادقين ، فيصير السماع معلولا تركن إليه النفوس طلبا للشهوات ، واستحلاء لمواطن اللهو والغفلات ، ويقطع ذلك على المريد طلب المزيد ، ويكون بطريقة تضييع الأوقات ، وقلة الحظ من العبادات ، وتكون الرغبة في الاجتماع طلبا لتناول الشهوة واسترواحا لأولى الطرب واللهو والعشرة . ولا يخفى أن هذا الاجتماع مردود عند أهل الصدق . وكان يقال : لا يصح السماع إلا لعارف مكين ، ولا يباح لمريد مبتدى ، وقال الجنيد رحمه اللّه تعالى : إذا رأيت المريد يطلب السماع فاعلم أن فيه بقية البطالة . وقيل : إن الجنيد ترك السماع ، فقيل له كنت تستمع ، فقال مع من ؟ قيل له تسمع لنفسك ، فقال ممن ، لأنهم كانوا لا يسمعون إلا من أهل مع أهل ، فلما ففد الإخوان ترك . فما اختاروا السماع حيث اختاروه إلا بشروط وقيود وآداب يذكرون به الآخرة ، ويرغبون في الجنة ، ويحذرون من النار ، ويزداد به طلبهم ، وتحسن به أحوالهم ، ويتفق لهم ذلك اتفاقا في بعض الأحايين ، لا أن يجعلوه دأبا وديدنا حتى يتركوا لأجله الأوراد . وقد نقل عن الشافعي رضى اللّه عنه أنه قال في كتاب القضاء : الغناء لهو مكروه يشبه الباطل . وقال : من استكثر منه فهو سفيه ترد شهادته .