عمر السهروردي
195
عوارف المعارف
ومن ذلك القبيل قصائد الغزاة والحجاج في وصف الغزو والحج ، مما يثير كامن العزم من الغازي وساكن الشوق من الحاج . وأما ما كان فيه ذكر القدود والخدود ووصف النساء فلا يليق بأهل الديانات الاجتماع لمثل ذلك . وأما ما كان من ذكر الهجر والوصل والقطيعة والصد مما يقرب جملة على أمور الحق سبحانه وتعالى من تلون أحوال المريدين ودخول الآفات على الطالبين ، فمن سمع ذلك وحدث عنده ندم على ما فات ، أو تجدد عنده عزم لما هو آت فكيف ينكر سماعه . وقد قيل إن بعض الواجدين يقتات بالسماع ، ويتقوى به على الطي والوصال ، ويثير عنده من الشوق ما يذهب عنه لهب الجوع ، فإذا استمع العبد إلى بيت من الشعر وقلبه حاضر فيه ، كأن يسمع الحادي يقول مثلا : أنوب إليك يا رحمن إني * أسأت وقد تضاعفت الذنوب فأما من هوى ليلى وحبى * زيارتها فإني لا أتوب فطاب قلبه لما يجده من قوة عزمه على الثبات في أمر الحق إلى الممات ، يكون في سماعه هذا ذكر اللّه تعالى . قال بعض أصحابنا : كنا نعرف مواجيد أصحابنا في ثلاثة أشياء : عند المسائل ، وعند الغضب ، وعند السماع . وقال الجنيد : تنزل الرحمة على هذه الطائفة في ثلاثة مواضع : عند الأكل لأنهم يأكلون عن فاقة ، وعند المذاكرة لأنهم يتحاورون في مقامات الصديقين ، وأحوال النبيين ، وعند السماع لأنهم يسمعون بوجد ويشهدون حقا . وسئل رويم عن وجد الصوفية عند السماع فقال : يتنبهون للمعاني التي تعزب عن غيرهم ، فيشير إليهم فيتنعمون بذلك من الفرح ، ويقع