عمر السهروردي
192
عوارف المعارف
الباب الثاني والعشرون في القول في السماع قبولا وإيثارا قال اللّه تعالى : . . . فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللَّهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ « 1 » . قيل : أحسنه أي أهداه وأرشده . وقال عز وجل : وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ . . . « 2 » هذا السماع هو السماع الحق الذي لا يختلف فيه اثنان من أهل الإيمان ، محكوم لصاحبه بالهداية واللب ، وهذا سماع ترد حرارته على برد اليقين فتفيض العين بالدمع ، لأنه تارة يثير حزنا والحزن حار ، وتارة يثير شوقا والشوق حار ، وتارة يثير ندما والندم حار ، فإذا أثار السماع هذه الصفات من صاحب قلب مملوء ببرد اليقين أبكى وأدمع ، لأن الحرارة والبرودة إذا اصطلد ما عصرا ماء ، فإذا ألم السماع بالقلب تارة يخف إلمامه ، فيظهر أثره في الجسد ، ويقشعر منه الجلد . قال اللّه تعالى : . . . تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ . . . « 3 » وتارة يعظم وقعه ويتصوب أثره إلى فوق نحو الدماغ ، كالمخبر للعقل ، فيعظم وقع المتجدد الحادث ، فتتدفق منه العين بالدمع ، وتارة يتصوب أثره إلى الروح فتموج منه الروح موجا يكاد يضيق عنه نطاق القلب ، فيكون من ذلك الصياح والاضطراب ، وهذه كلها أحوال يجدها أرباباها من أصحاب الحال ، وقد يحكيها بدلائل هوى النفس أرباب المحال .
--> ( 1 ) سورة الزمر : الآية 17 - 18 . ( 2 ) سورة المائدة : الآية 83 . ( 3 ) سورة الزمر : الآية 23 .