عمر السهروردي

190

عوارف المعارف

في المجالسة والمخالطة ، فتنطلق النفس عن قيد الاعتدال ، وتسترق الغرض بطول الاسترسال ، فيستولى على القلب بسبب ذلك السهو والغلفة ، ويستجلس مقار المهلة ، فيقل الوارد لقلة الأوراد ، ويتكدر الحال لإهمال شروط الأعمال . وألطف من هذين الفتنتين فتنة أخرى تختص بأهل القرب والحضور ، وذلك أن للنفوس امتزاجا وبرابطة الامتزاج تعتضد وتشتد وتتطرى طبيعتها الجامدة ، وتلتهب نارها الخامدة . فدواء هذه الفتنة أن يكون للمتأهل عند المجالسة عينان باطنان ينظر بهما إلى مولاه ، وعينان ظاهران يستعملهما في طريق هواه . وقد قالت رابعة في معنى هذا نظما : إني جعلتك في الفؤاد محدثي * وأبحت جسمي من أراد جلوسى فالجسم منى للجليس مؤانس * وحبيب قلبي في الفؤاد أنيسى وألطف من هذا فتنة أخرى يخشاها المتأهل ، وهو أن يصير للروح استرواح إلى لطف الجمال ، ويكون ذلك الاسترواح موقوفا على الروح ، ويصير ذلك وليجة في حب الروح المخصوص بالتعلق بالحضرة الإلهية ، فتتبلد الروح ، وينسد باب المزيد من الفتوح ، وهذه البلادة في الروح يعز الشعور بها فلتحذر . ومن هذا القبيل دخلت الفتنة على طائفة قالوا بالمشاهدة . وإذا كان في باب الحلال وليجة في الحب يتولد منها بلادة الروح في القيام بوظائف حب الحضرة الإلهية ، فما ظنك فيمن يدعى ذلك في باب غير مشروع ، يغره سكون النفس . فيظن أنه لو كان من قبيل الهوى ما سكنت النفس ، والنفس لا تسكن في ذلك دائما بل تسلب من الروح ذلك الوصف وتأخذه إليها . على أنى استبحثت عما يبتلى المفتونون بالمشاهدة ، فوجدت المحمى من ذلك من صورة الفسق عنده رغوة شراب الشهوة ، إذ لو ذهبت علة الشراب ما