عمر السهروردي

165

عوارف المعارف

إليه ، فتتنبه النفس له ، فقد تتطلع نفوس بعض الفقراء إلى ما سوف يحدث وكأنها تخبر بما يكون ، وإما أن يكون ذلك عقوبة لذنب وجد منه ، فإذا وجد الفقير ذلك ، وألحت النفس بالمطالبة ، فليقم وليسبغ الوضوء ، ويصلى ركعتين ويقول : يا رب إن كانت هذه المطالبة عقوبة ذنب فاستغفرك وأتوب إليك ، وإن كانت لرزق قدرته لي فعجل وصوله إلى ، فإن اللّه تعالى يسوقه إليه إن كان رزقه ، وإلا فتذهب المطالبة عن باطنه . فشأن الفقير أن ينزل حوائجه بالحق ، فإما أن يرزقه الشيء أو الصبر ، أو يذهب ذلك عن قلبه . فلله سبحانه وتعالى أبواب من طريق الحكمة ، وأبواب من طريق القدرة ، فإن فتح بابا من طريق الحكمة وإلا فيفتح بابا من طريق القدرة ويأتيه الشيء بخرق العادة كما كان يأتي مريم عليها السلام . . . كُلَّما دَخَلَ عَلَيْها زَكَرِيَّا الْمِحْرابَ وَجَدَ عِنْدَها رِزْقاً قالَ يا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هذا قالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ . . . . حكى عن بعض الفقراء قال : جعت ذات يوم وكان حالي أن لا اسأل ، فدخلت بعض المحال ببغداد مجتازا متعرضا لعل اللّه تعالى يفتح لي على يد بعض عباده شيئا ، فلم يقدر ، فنمت جائعا فأتى آت في منامي فقال لي : اذهب إلى موضع كذا وعين الموضع فثم خرقة زرقاء فيها قطعيات أخرجها في مصالحك . فمن تجرد عين المخلوق وتفرد باللّه فقد تفرد بغنى قادر لا يعجزه شيء ، يفتح عليه من أبواب الحكمة والقدرة كيف شاء . وأولى من سأل نفسه يسألها الصبر الجميل ، فإن الصادق تجيبه نفسه . وحكى شيخنا رحمه اللّه تعالى أن ولده جاء إليه ذات يوم وقال له : أريد حبة ، قال : فقلت له : ما تفعل بالحبة ؟ فذكر شهوة يشتريها بالحبة ثم قال عن إذنك اذهب واستقرض الحبة ، قال : قلت : نعم استقرضها من نفسك فهي أولى من أقرض . وقد نظم بعضهم هذا المعنى فقال :