عمر السهروردي
143
عوارف المعارف
الروح مضرا به في ثاني الحال ، وإن كان يتراءى له طيبة القلب في الوقت ، وسبب طيبة قلبه في الوقت أن النفس تتفسح وتتسع ببلوغ غرضها ، وتيسير يسير هواها بالخروج إلى الصحراء والتنزه ، وإذا اتسعت بعدت عن القلب ، وتنحت عنه ، متشوقة إلى متعلق هواها ، فيتروح القلب لا بالصحراء بل ببعد النفس منه ، كشخص تباعد عنه قرين يستثقله . ثم إذا عاد الفقير إلى زاويته ، واستفتح ديوان معاملته ، وميز دستور حاله ، يجد النفس مقارنة للقلب بمزيد ثقل موجب لتبرمه بها ، وكلما ازداد ثقلها تكدر القلب . وسبب زيادة ثقلها استرسالها في تناول هواها ، فيصير الخروج إلى الصحراء عين الداء ، ويظن الفقير أنه ترويح ودواء ، فلو صبر على الوحدة والخلوة ازدادت النفس ذوبانا ، وخفت ولطفت وصارت قرينا صالحا للقلب لا يستثقلها . وعلى هذا يقاس التروح بالأسفار . فللنفس وثبات إلى توهم التروحات ، فمن فطن لهذه الدقيقة لا يغتر بالتروحات المستعارة التي لا تحمد عاقبتها ، ولا تؤمن غائلتها ، ويتثبت عند ظهور خاطر السفر ، ولا يكترث بالخطر ، بل يطرحه بعدم الالتفات ، مسيئا ظنه بالنفس وتسويلاتها . ومن هذا القبيل واللّه اعلم قول رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن الشمس تطلع من بين قرني الشيطان » فيكون للنفس عند طلوع الشمس وثبات ، تستند تلك الوثبات والنهضات من النفس إلى المزاج والطبائع ، ويطول شرح ذلك ويعمق . ومن ذلك القبيل خفة مرض المريض غدوة بخلاف العشيات ، فيتشكل اهتزاز النفس بنهضات القلب ، ويدخل على الفقير من هذا القبيل آفات كثيرة ، يدخل في مداخل باهتزاز نفسه ظنا منه أن ذلك حكم نهوض قلبه ، وربما يتراءى له أنه باللّه يصول ، وباللّه يقول ، وباللّه يتحرك ، فقد ابتلي بنهضة النفس ووثوبها .