عمر السهروردي
141
عوارف المعارف
سفره ، لكون السفر لا يخلو من متاعب وكلف ومشوشات ، وطوارق ونوازل يتجدد الضعف عن سياستها بالعلم للضعفاء ، ولا يقدر على تسليط العلم على متجددات السفر وطوارقه إلا الأقوياء . قال عمر بن الخطاب رضي اللّه عنه للذي زكى عنده رجلا : هل صحبته في السفر الذي يستدل به على مكارم الأخلاق ؟ قال : لا . قال : ما أراك تعرفه . فإذا حفظ اللّه عبده في بداية أمره من تشويش السفر ، ومنعه بجمع الهم وحسن الإقبال في الحضر ، وساق إليه من الرجال من اكتسب به صلاح الحال ، فقد أحسن إليه . قيل في تفسير قوله تعالى : . . . وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ « 1 » هو الرجل المنقطع إلى اللّه يشكل عليه شيء من أمر الدين ، فيبعث اللّه إليه من يحل إشكاله . فإذا ثبت قدمه على شروط البداية ، رزق وهو في المقام من غير سفر ثمرات النهاية ، فيستقر في الحضر انتهاء وابتداء ، وأقيم في هذا المقام جمع من الصالحين . وأما الذي أدام السفر ، فرأى صلاح قلبه وصحة حاله في ذلك . يقول بعضهم : اجتهد أن تكون كل ليلة ضعيف مسجد ، ولا تموت بين منزلين . وكان من هذه الطبقة إبراهيم الخواص ، ما كان يقيم في بلد أكثر من أربعين يوما ، وكان يرى إن أقام أكثر من أربعين يوما يفسد عليه توكله ، فكان علم الناس ومعرفتهم إياه يراه سببا ومعلوما . وحكى عنه أنه قال : مكثت في البادية أحد عشر يوما لم آكل ، وتطلعت نفسي أن آكل من حشيش البر ، فرأيت الخضر مقبلا نحوي ،
--> ( 1 ) سورة الطلاق : الآيات 2 - 3 .