عمر السهروردي
123
عوارف المعارف
والرباط يحتوي على شبان وشيوخ وأصحاب خدمة وأرباب خلوة . فالمشايخ بالزوايا أليق نظرا إلى ما تدعو إليه النفس من النوم والراحة ، والاستبداد بالحركات والسكنات ، فللنفس شوق إلى التفرد والاسترسال في وجوه الرفق ، والشاب يضيق عليه مجال النفس بالقعود في بيت الجماعة ، والانكشاف لنظر الأغيار ، لتكثر العيون عليه ، فيتقيد ويتأدب ، ولا يكون هذا إلا إذا كان جمع الرباط في بيت الجماعة مهتمين بحفظ الأوقات ، وضبط الأنفاس ، وحراسة الحواس ، كما كان أصحاب رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم لكل امرئ منهم يومئذ شأن يغنيه . كان عندهم من هم الآخرة ما يشغلهم عن اشتغال البعض بالبعض ، وهكذا ينبغي لأهل الصدق والصوفية أن يكون اجتماعهم غير مضر بوقتهم ، فإذا تخلل أوقات الشبان اللغو واللغط ، فالأولى أن يلزم الشاب الطالب الوحدة والعزلة ، ويؤثر الشيخ الشاب بزاويته وموضع خلوته ، ليحبس الشاب نفسه عن دواعي الهوى والخوض فيما لا يعني ، ويكون الشيخ في بيت الجماعة لقوة حاله وصبره على مداراة الناس ، وتخلصه من تبعات المخالطة وحضور وقاره بين الجمع ، فينضبط به الغير ، ولا يتكدر هو . وأما الخدمة فشأن من دخل الرباط مبتدئا ، ولم يذق طعم العاملة ، ولم يتنبه لنفائس الأحوال أن يؤمر بالخدمة ، لتكون عبادته خدمته ، ويجذب بحسن الخدمة قلوب أهل اللّه إليه ، فتشمله بركة ذلك ويعين الإخوان المشتغلين بالعبادة . قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « المؤمنون أخوة ، يطلب بعضهم إلى بعض الحوائج ، فيقضي بعضهم إلى بعض الحوائج ، يقضي اللّه لهم حاجاتهم يوم القيامة » . فيحتفظ بالخدمة عن البطالة التي تميت القلب . والخدمة عند القوم من جملة العمل الصالح ، وهي طريق من طرق المواجيد ، تكسبهم الأوصاف الجميلة ، والأحوال الحسنة ، ولا يرون استخدام من ليس من جنسهم ، ولا متطلعا إلى الاهتداء بهديهم .