عمر السهروردي
102
عوارف المعارف
فالمحبوب المراد الذي أهل للمشيخة ، وسلم قلبه ، وانشرح صدره ولان جلده ، فصار قلبه بطبع الروح ، ونفسه بطبع القلب ، ولانت النفس بعد ان كانت أمارة بالسوء مستعصية ، ولان الجلد للين النفس ، ورد إلى صورة الأعمال بعد وجان الحال . ولا يزال روحه ينجذب إلى الحضرة الإلهية ، فيستتبع الروح القلب ، فامتزجت الأعمال القلبية والقالبية ، وانخرق الظاهر إلى الباطن ، والباطن إلى الظاهر ، والقدرة إلى الحكمة ، والحكمة إلى القدرة ، والدنيا إلى الآخرة . الآخرة إلى الدنيا ، ويصح له أن يقول : لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . فعند ذلك يطلق من وثاق الحال ، ويكون مسيطرا على الحال لا الحال مسيطرا عليه ، ويصير حرا من كل وجه . والشيخ الأول الذي أخذ في طريق المحبين حر من رق النفس ، ولكن ربما كان باقيا في رق القلب . وهذا الشيخ في طريق المحبوبين حر من رق النفس ، وذلك أن النفس حجاب ظلماني أرضي أعتق منه الأول ، والقلب حجاب نوراني سماوي أعتق منه الآخر ، فصار لربه لا لقلبه ولموقته لا لوقته ، فعبد اللّه حقا ، وآمن به صدقا ويسجد للّه سواده وخياله ، ويؤمن به فؤاده ، وقر به لسانه ، كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بعض سجوده ، ولا يتخلف عن العبودية منه شعرة ، وتصير عبادته مشاكلة لعبادة الملائكة وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ ( 19 ) « 1 » . فالقوالب هو الظلال الساجدة ، ظلال الأرواح المقربة في عالم الشهادة . الأصل كثيف والظل لطيف ، وفي عالم الغيب الأصل لطيف والظل كثيف ، فيسجد لطيف العبد وكثيفة ، وليس هذا لمن أخذ في طريق المحبين لأنه يستتبع صور الأعمال ، ويمتلئ بما أنيل من وجدان الحال ، وذلك قصور في العلم ، وقلة في الحظ ، ولو كثر العلم رأى ارتباط الأعمال بالأحوال
--> ( 1 ) سورة الرعد : آية : 19 .