محسن باقر الموسوي

378

علوم نهج البلاغة

إن ( الناس ) صنفان : « إما أخ لك في الدين أو نظير لك في الخلق » . بل يسع حتى المذنبين منهم : « يفرط منهم الزلل ، وتعرض لهم العلل وتؤتى على أيديهم في العمد والخطأ فأعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى أن يعطيك الله من عفوه وصفحه » « 1 » . فصحيح إنه إنسان خاطئ ويستحق العقوبة إلا أنه إنسان خلقه الله في هذه الحياة ليعيش ويطيع ربه ، لكنه عصاه بدلا من الطاعة ، فكان لا بدّ من التعامل معه بإحسان . وأروع ما سجله الأدب من قطع بليغة مملوءة بالروح الإنسانية الجياشة هو ما ورد في نهج البلاغة : « ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ، ولباب هذا القمح ، ونسائج هذا القز ، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ، ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة ، ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ، ولا عهد له بالشبع ، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى ، وأكباد حرى ، أو أكون كما قال القائل : وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحنّ إلى القدّ أأقنع من نفسي بأن يقال هذا أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش ، فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همّها علفها ، أو المرسلة شغلها تقممها ، تكترش من أعلافها ، وتلهو عمّا يراد بها » « 2 » . لنعيد قراءة النص ونتأمل ما بين ضلوع الأحرف والكلمات ، كم من عواطف جياشة تختزنها تلك الكلمات الرائعة ، إنها الروح الإنسانية المتدفقة في كل عبارة وكلمة من نهج البلاغة حتى مع أعدائه ، فقد سمع قوما من أصحابه يسبون أهل الشام أيام حربهم بصفين فقال لهم : إني أكره لكم أن تكونوا سبابين ، ولكنكم لو وصفتم

--> ( 1 ) الرسائل : 53 . ( 2 ) الرسائل : 45 .