محسن باقر الموسوي
374
علوم نهج البلاغة
بالحروف والكلمات . فالرجل البليغ كالمهندس الذي يضع الأشياء في أماكنها فيصنع منها الجدران والأبواب والسقوف . لننظر إلى ما قاله الإمام : « طوحت بكم الدار ، واحتبلكم المقدار . . . أخفاء الهام ، سفهاء الأحلام . . بجرا ضرا » . ثانيا : الانسيابية : الأدب هو كالماء الزلال الذي يسيل متدفقا بلا توقف ليروي الظمآن . بلاغة النهج هكذا في تدفقه ، فهو يخرج منسابا في الهواء الطلق كشعاع الضوء ، وكالنسيم الذي تحسّ بوجوده عندما يقتحم حياتك فيحيلها إلى ربيع دائم . يقول الإمام في الموعظة : « أحي قلبك بالموعظة وأمته بالزهادة وقوة باليقين ونوّره بالحكمة ، وذلله بذكر الموت ، وقرّره بالفناء وبصّره فجائع الدنيا ، وحذّره صولة الدهر ، وفحش تقلب الليالي والأيام . . » . هكذا تحس بانسيابية الموعظة ودخوله إلى القلب ثم تطفح من جانب يقينا ومن جانب نورا وتبصرة . نحسّ بأنّ الكلمات تسير منسابة بحركة متوازنة لا تتعرج أثناء الطريق ولا تميل عن الجادة المرسومة لها . ونشعر بانسياب الخيل والجنود دون أن نسمع لهم صوتا من هذا النص : « يا أحنف : كأني به وقد سار بالجيش الذي لا يكون له غبار ولا لجب ولا قعقعة لجم ولا حمحمة خيل يثيرون الأرض بأقدامهم كأنها أقدام النعام » « 1 » إحساس بأن شيئا ينساب ويتدفق بلا ضجيج ولا صريخ ولا أصوات إنه صوت انسياب الجنود والخيول الذي نستشعره من طيات الكلمات . ثالثا : الحركية : نلمس في كلمات الإمام حركة ذاتية وانطلاقة في مسارات محددة موجهة مسبقا . ففي طيات كلماته تتدفق حرارة وطاقة ، وحركة دائمة كحركة الذبذبات في
--> ( 1 ) باب الحكم : 128 .