محسن باقر الموسوي

368

علوم نهج البلاغة

فأصبح أدبه متفردا ذا خصائص معينة لا يشابهه أحد من البلغاء ، فكان من السهل أن نميّز كلامه عن بقية الكلم . لقد تجاوزت بلاغة الإمام ألف وأربعمائة عام فأصبحت منهلا للأدباء والبلغاء حتى في العصور المتأخرة ، ذلك لأن بلاغته تضمنت القواعد والأسس التي يستمدّ منها البلغاء والأدباء أقوالهم ونصوصهم . يذكر في هذا الجانب ما كتبه محي الدين رضا في كتابه بلاغة العرب في القرن العشرين ، ففي هذا الكتاب جمع روائع من أدب هذا القرن ووضعها أمام أرباب العلم والناشئين في الأدب لكي يقتفوا آثار أولئك الأدباء في كتاباتهم وبلاغتهم من أمثال جبران خليل جبران ومخائيل نعيمة ، لكنه وضع اسم أمير المؤمنين في طليعة من يمكن الركون إلى بلاغته والاستفادة منها والتعلم من معينها . فبعد أن يوضح المؤلف غايته من الكتاب يقول : يهمني أن أقدّم هذا الكتاب لكل متعلم يود أن يكون كاتبا بليغا ليتخذ هذه الأساليب الطريفة إماما له يأتم بها ويجتهد أن يحاكيها أسلوبا وتوقيعا . . ثم يقول : لا أنكر أن بعض رجال الأدب العربي سبق لهم أن ساروا على هذه الأساليب وأخص منهم بالذكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، فمن ذا الذي يقرأ رسالة من رسائله أو خطبة من خطبه ولا يدهش لجمال أسلوبه البياني « 1 » . وهذا شاهد آخر دال على أن نهج البلاغة كتاب أزلي يفيض شذاه في كل حين . منبع بلاغة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام : بلاغة الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام هي نتاج شخصيته المتميزة التي سامقت في مدارج الكمال في مختلف الأبعاد ، ومنه البعد البلاغي . فالشجاعة في ميادين الوغى لا بد وأن تكتمل بشجاعة الكلمة وجرأة البيان . فالبلاغة هي علم وجرأة ، فلا العلم وحده يجعل الإنسان بليغا ولا الجرأة وحدها تجعل الإنسان بليغا ، بل تطير البلاغة بالجناحين معا . وقد امتلك أمير المؤمنين عليه السّلام الأمرين ، فهو في العلم لا يدانيه أحد حتى قال فيه

--> ( 1 ) مقدمة كتاب بلاغة العرب في القرن العشرين .