السيد كمال الحيدري
87
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد
تأسيساً على ما تقدّم : اتّضح عدم صحّة نظرية من أسرف في رفع الظواهر في الخطابات القرآنية التي يخاطب بها الناس كافّة عن معانيها العرفيّة ، كالقبر والبعث والصراط والميزان والحساب ، فضلًا عن العرش والكرسي واللّوح والكتاب والقلم ونحوها ، حيث زعموا أنّ ذلك محض استعمال كنائىّ . ولعلّ هذا ما اختاره بعض المعاصرين ممّن تأثّروا بنظريات حديثة نشأت في الفكر الأوروبى وتسلّلت إلى واقع فكر المسلمين تحت عنوان « الهرمينيوطيقا » . وذلك لمّا تبيّن أنّ مثل قوله : ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وإن كان جارياً مجرى الكناية بحسب اللفظ ، لكن هذا لا ينافي أن تكون هناك حقيقة تعتمد عليها هذه العناية اللفظيّة . وإلّا يلزم من هذا المنهج تفريغ النصّ الديني من دلالته على حقائق واقعيّة ومصاديق خارجيّة وراء هذه الألفاظ ، وتحوّله إلى إطار لفظىّ فارغ تمتلئ دلالته من الإيماءات والكنايات والمواضعات الاعتباريّة . والحاصل أنّ ما ذكره أصحاب هذا الاتّجاه من قولهم ( لا عرش ولا كرسىّ ولا استواء ، بل المراد مجرّد تصوير العظمة والكبرياء الإلهى وبيان القدرة والسلطنة والعزّة والإحاطة والتدبير ) ، لا يمكن قبوله والبناء عليه ، لأنّ هذه كلّها كنايات ومجازات بعيدة لا يصار إليها إلّا على أساس نقل صريح عن النبىّ ( ص ) وأئمّة أهل البيت ( عليهم السلام ) .