السيد كمال الحيدري
17
العرش والكرسى في القرآن الكريم مراتب العلم الالهى وكيفيه وقوع البداء فيه التوحيد
فتدبير أمر العالم نظم أجزائه نظماً جيّداً متقناً بحيث يتوجّه به كلّ شئ إلى غايته المقصودة منه ، وهى آخر ما يمكنه الوصول إليه من الكمال الخاصّ به ، ومنتهى ما ينساق إليه الأجل المسمّى ، وتدبير الكلّ إجراء النظام العام العالمي بحيث يتوجّه إلى غايته الكلّية ، وهى الرجوع إلى الله وظهور الآخرة بعد الدُّنيا . وبهذا يتّضح أنّ معنى الشفاعة في قوله : مَا مِنْ شَفِيعٍ هي الشفاعة في أمر التكوين لا التشريع ، لأنّها جاءت في سياق وصف الربوبيّة والتدبير التكويني ، من قبيل قوله تعالى : لَهُ مَا فِى السَّمَاوَاتِ وَمَا فِى الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِى يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ ( البقرة : 255 ) . والشفاعة التكوينيّة على ما أوضحناه في كتاب الشفاعة « 1 » هي السببيّة التي توجد في الأسباب التكوينيّة التي هي وسائط متخلّلة بين الحوادث والكائنات وبينه تعالى . على هذا فالشفيع التكويني ، هو الأمر الذي ينضمّ إلى سبب ناقص فيتمّم سببيّته وتأثيره ، وإذا طبّقنا ذلك على الأسباب والمسبّبات الخارجيّة ، كانت أجزاء الأسباب المركّبة وشرائطها بعضها شفيعاً لبعض لتتميم حصّة من الأثر منسوبة إليه ، كما أنّ كلًّا من السحاب والمطر والشمس والظلّ وغيرها شفيع للنبات .
--> ( 1 ) الشفاعة ، بحوث في حقيقتها وأقسامها ومعطياتها ، السيد كمال الحيدري ، دار فراقد ، 1425 ه : ص 15 .