محمد حسين علي الصغير
98
الصوت اللغوى في القرآن
وقد انتصر له من المحدثين الأستاذ محمد جمال الهاشمي وترجمه بمنظور عصري ، وأضاف إليه البعد الرمزي فقال : « إن القرآن في أسلوبه البياني الفذ أراد أن يجذب الأنظار والأفكار ، فافتتح بعض سورة المباركة بهذه الحروف المقطعة فهي أشبه ما تكون بإشارات المحطات العالمية في الراديو حيث تتخذ كل دولة رمزا خاصا لها يدل على محطة إذاعتها ، ويميز بينها وبين غيرها من المحطات ، وهكذا القرآن كان يتخذ من هذه الحروف رمزا مخصوصا لوحيه يستلفت به الأذهان لتستمع إلى آياته المنزلة بوعي وانتباه ، ولا زالت هذه الهزّة الوجدانية تعتري النابهين من المؤمنين كلما طرقت أسماعهم هذه الحروف الساحرة في تقاطيعها المطربة ، وإنما كان يستعمل هذه الإشارة الحروفية في الحالات الخاصة التي تستدعي الاهتمام ، كما أنه ربما يباري الإنسانية بموضوعه من دون تقدمة وتمهيد حتى بما التزم به من الاستهلال كجملة : بسم اللّه الرحمن الرحيم ، لأن الموضوع نفسه يستدعي المبادأة والمفاجأة كسورة ( براءة ) ، فالقرآن إنما يجري في مفاتيح سوره مع الظروف المحيطة بتلك السورة المباركة ، وإن للحروف المقطعة من التأثير ما لا يخفى على السامع والواعي » « 1 » . 6 - إن هذه الحروف تدعو العرب وتناديهم إشارة إلى إعجاز القرآن ، فهذا القرآن الذي يتلوه عليكم محمد صلى اللّه عليه وآله وسلم ومن جنس كلامكم وسنخ حروفكم ، ومما يتكون منه معجمكم . . . وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ ( 23 ) « 2 » قال أبو مسلم ، محمد بن بحر ( ت : 370 ه ) : « إن المراد بذلك بأن هذا القرآن الذي عجزتم عن معارضته ، ولم تقدروا على الإتيان بمثله ، هو من جنس هذه الحروف التي تتحاورون بها في كلامكم وخطابكم ، فحيث لم تقدروا عليه فاعلموا أنه من فضل اللّه » « 3 » .
--> ( 1 ) محمد جمال الهاشمي ، من تفسير القرآن الكريم « بحث » . ( 2 ) البقرة : 23 . ( 3 ) ظ : الطوسي ، التبيان في تفسير القرآن : 1 / 48 .