محمد حسين علي الصغير
79
الصوت اللغوى في القرآن
هو معلوم في مثل هذه المباحث مما يتعلق بالصوت منها ، وخلصت إلى القول بخلو القرآن العظيم من التنافر في الكلمات ، أو التشادق في الألفاظ ، أو العسر في النطق ، أو المجانبة للأسماع ، وكونه في الطبقة العليا من الكلام في تناسقه وتركيبه وتلاؤمه . أما ما يتعلق بالأصوات من مخارجها في موضوع التنافر فلهم بذلك رأيان : الأول : أن التنافر يحصل بين البعد الشديد أو القرن الشديد وقد نسب الرماني هذا الرأي إلى الخليل « وذلك أنه إذا بعد الشديد كان بمنزلة الطفر ، وإذا قرب القرب الشديد كان بمنزلة مشي المقيد ، لأنه بمنزلة رفع اللسان ورده إلى مكانه ، وكلاهما صعب على اللسان ، والسهولة من ذلك في الاعتدال ، ولذلك وقع في الكلام الإدغام والإبدال » « 1 » . الثاني : أن التنافر يحصل في قرب المخارج فقط وهو ما يذهب إليه ابن سنان الخفاجي ( ت : 466 ه ) بقوله : « ولا رأى التنافر في بعد ما بين مخارج الحروف وإنما هو في القرب . ويدل على صحة ذلك الاعتبار ، فإن هذه الكلمة « ألم » غير متنافرة ، وهي مع ذلك مبنية من حروف متباعدة المخارج - لأن الهمزة من أقصى الحلق ، والميم من الشفتين ، واللام متوسطة بينهما . فأما الإدغام والإبدال فشاهدان على أن التنافر في قرب الحروف دون بعدها ، لأنهما لا يكادان يردان في الكلام إلا فرارا من تقارب الحروف ، وهذا الذي يجب عندي اعتماده لأن التتبع والتأمل قاضيان بصحته » « 2 » . وقد يتبعه بالرد على هذا الرأي ابن الأثير ( ت : 637 ه ) فقال : « أما تباعد المخارج فإن معظم اللغة العربية دائر عليه . . . ولهذا أسقط الواضع حروفا كثيرة في تأليف بعضها مع بعض استثقالا واستكراها ، فلم يؤلف بين حروف الحلق كالحاء والخاء والعين ، وكذلك لم يؤلف بين الجيم والقاف ، ولا بين اللام والراء ، ولا بين الزاي والسين ، وكل هذا دليل على عنايته
--> ( 1 ) الرماني ، النكت في إعجاز القرآن : 96 . ( 2 ) ابن سنان الخفاجي ، سر الفصاحة : 91 .