محمد حسين علي الصغير

46

الصوت اللغوى في القرآن

منهما أصدر حكمه بناء على نظرة إلى الحنجرة تختلف عن نظر الآخر ، فجونز قد اعتبر أن للحنجرة ثلاثة أوضاع : الاحتباس ، الانفتاح دون ذبذبة ، الانفتاح مع الذبذبة ، وبذلك تكون الهمزة صوتا لا هو بالمجهور ولا بالمهموس . أما هفنر فقد اعتبر أن للحنجرة وظيفتين هما : ذبذبة الأوتار الصوتية ، وهي صفة الجهر ، وعدم ذبذبتها وهي صفة الهمس ، ويدخل في حالة عدم الذبذبة احتباس في الحنجرة أو انطلاق فيها في بقية المهموسات ، على أن من المسلم به لدى كل منهما : أن الهمزة عبارة عن احتباس في الحنجرة « 1 » . إن هذا العرض إنما تم لجونز وهفنر بعد تقدم العلم الفيزولوجي الذي أعانهما على فهم جهاز الحنجرة بتفصيلات ذبذبته وعدمها ، ومع هذا فقد اختلفا من وجه في الهمزة ، أما الخليل فقد عينها حسيا بذاته دون الاستعانة بخبرة تشريحية معقدة ، وانبعاثها من الرئتين دون حيّز تنسب إليه ، لا يضير معرفته الدقيقة بجهة انطلاقها واصطدامها وخروجها من فضاء الفم ، وإذا كان العلم الحديث يميل إلى رأي سيبويه في الموضوع على فرض أن الخليل لم يعتبرها أول الأصوات ، فسيبويه تلميذ الخليل وابنه حملة علمه ، فالعائدية على الخليل في كلتا الحالتين ، وهذا ما يقرب ما نسبه ابن كيسان إلى الخليل في شأن الهمزة ، فيبدو لنا أنه لم يبدأ بها لأن العين أنصع منها ليس غير . 3 - في هذه المقدمة : إشارات صوتية ، وإشارات لغوية ، وقد يدخل الملحظ الصوتي ضمن الملحظ اللغوي كما فعل الخليل هذا لدى حديثه عن ألف الخماسي باعتبارها ليست أصلية فقال : « أدخلت هذه الألفات في الأفعال وأمثالها من الكلام لتكون الألف عمادا وسلما للسان إلى حرف البناء ، لأن اللسان لا ينطلق بالساكن من الحروف فيحتاج إلى ألف الوصل » « 2 » .

--> ( 1 ) ظ : عبد الصبور شاهين ، أثر القراءات في الأصوات : 167 وما بعدها . ( 2 ) الخليل ، العين : 1 / 49 .