محمد حسين علي الصغير

190

الصوت اللغوى في القرآن

2 - في قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِياءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ( 41 ) « 1 » . تبرز كلمة « أوهن » لتعطي معنى الضعف ، وقد تحقق هذا المعنى كلمة ( أوهى ) ولكن القرآن الكريم استعمل أوهن دون أوهى ، وذلك لما يفرزه ضم حروف الحلق ، وأقصى الحلق إلى النون من التصاق وغنة لا تتأتى بضم الألف المقصورة إليها صوتيا ، وحينئذ تصل الكلمة إلى الأسماع ، وتصك الآذان ، وهي تحمل لونا باهتا للعجز مؤكدا بضم هذه النون - من ملحظ صوتي فقط - إلى تلك الحروف لتحدث واقعا خاصا يشعر بالضعف المتناهي لا بمجرد الضعف وحده . وكان هذا بتأثير مباشر من دلالة اللفظ الصوتية ، إذ أحدثت فيها النون وهي من الصوامت الأنفية صدى وإيقاعا لا تحدثه الألف المقصورة وهي صوت حلقي خالص ، لا غنة معه ، ولا ضغط ، ولا إطباق . وهذا التشبيه باختيار هذا اللفظ صوتيا ، يجمع إليه إيحائيا دلالة أن الأصنام والأشخاص والقيم اللاإنسانية . . . واهنة متداعية عاجزة حتى عن حماية كيانها ، وصيانة وجودها ، لأنها في تكوين رخو واهن ، وبناء تتداعى أركانه ، ومثل هذا التكوين وذلك البناء لا اعتماد عليهما ، ولا اعتداد بهما ، إنما القوة باللّه ، والحماية من اللّه ، والالتجاء إلى اللّه فهو وحده الركن القويم . قال الزمخشري ( ت : 538 ه ) : « وقد صح أن أوهن البيوت بيت العنكبوت ، وكما أن أوهن البيوت إذا استقريتها بيتا بيتا بيت العنكبوت ، كذلك أضعف الأديان إذا استقريتها دنيا دينا عبادة الأوثان لو كانوا يعلمون » « 2 » . وإذا كان القرآن الحكيم قد امتاز بتخير الألفاظ وانتقائها ، فإنه يرصد بذلك ما لهذه الألفاظ دون تلك : « من قوة تعبيرية ، بحيث يؤدي بها فضلا عن معانيها العقلية ، كل ما

--> ( 1 ) العنكبوت : 41 . ( 2 ) الزمخشري ، الكشاف : 3 / 206 .