محمد حسين علي الصغير
164
الصوت اللغوى في القرآن
موسيقى للصوت فيما يجلبه من وقع في الأذن ، أو أثر عند المتلقي ، يساعد على تنبيه الأحاسيس في النفس الإنسانية ، لهذا كان ما أورد القرآن الكريم في هذا السياق متجاوبا مع معطيات الدلالة الصوتية : « التي تستمد من طبيعة الأصوات نغمتها وجرسها » « 1 » . فتوحي بأثر موسيقي خاص ، يستنبط من ضم الحروف بعضها لبعض ، ويستقرأ من خلال تشابك النص الأدبي في عبارته ، فيعطي مدلولا متميزا في مجالات عدة : الألم ، البهجة ، اليأس ، الرجاء ، الرغبة ، الرهبة ، الوعد ، الوعيد ، الأنذار ، التوقع ، الترصد ، التلبث . . . الخ . ولا شك أن استقلالية أية كلمة بحروف معينة ، يكسبها صوتيا ذائقة سمعية منفردة ، تختلف - دون شك - عما سواها من الكلمات التي تؤدي المعنى نفسه ، مما يجعل كلمة ما دون كلمة - وإن اتحدا بالمعنى ، لها استقلاليتها الصوتية ، إما في الصدى المؤثر ، وإما في البعد الصوتي الخاص ، وإما بتكثيف المعنى بزيادة المبنى ، وإما بإقبال العاطفة ، وإما بزيادة التوقع ، فهي حينا تصك السمع ، وحينا تهيئ النفس ، وحينا تضفي صيغة التأثر : فزعا من شيء ، أو توجها لشيء ، أو طمعا في شيء ، وهكذا . هذا المناخ الحافل تضفيه الدلالة الصوتية للألفاظ ، وهي تشكل في القرآن الوقع الخاص المتجلي بكلمات مختارة ، تكونت من حروف مختارة ، فشكلت أصواتا مختارة ، هذه السمات في القرآن بارزة الصيغ في مئات التراكيب الصوتية في مظاهر شتى ، ومجالات عديدة ، تستوعبها جمهرة هائلة من ألفاظه في ظلال مكثفة في الجرس والنغم والصدى والإيقاع . قال الخطابي ( ت : 383 - 388 ه ) إن الكلام إنما يقوم بأشياء ثلاثة : « لفظ حاصل ، ومعنى به قائم ، ورباط لهما ناظم ، وإذا تأملت القرآن وجدت هذه الأمور منه في غاية الشرف والفضيلة ، حتى لا ترى شيئا من الألفاظ أفصح ، ولا أجزل ، ولا أعذب من ألفاظه » « 2 » .
--> ( 1 ) إبراهيم أنيس ، دلالة الألفاظ : 46 . ( 2 ) الخطابي : بيان إعجاز القرآن : 27 .