محمد حسين علي الصغير

16

الصوت اللغوى في القرآن

ضمن موازنة محدثة ، ورؤية صوتية معاصرة ، استلهمت التراث في ثرائه ، وتنورت الجديد في إضاءته ، فسارت بين هذين مسيرة الرائد الذي لا يكذب أهله . ومن هنا فقد توصل هذا البحث إلى أن الأوائل من علماء العربية قد مهدوا بين يدي الأوروبيين جادة البحث المنظم في استكناه الصوت اللغوي ، وأسهموا إسهاما حقيقيا في إرساء ركائزه الأولى ، مما أتاح لهم فرصة الاستقرار المبكر لحقيقة الأصوات اللغوية ، وسهل عليهم خوض الموضوع بكل تفصيلاته المضنية ، وترويض جماع تعقيداته المتشعبة ، مما سجل للعرب في لغة القرآن أسبقية الكشف العلمي ، والتوصل إلى النتائج التي تواضعت عليها اليوم حركة الأصواتيين العالمية بعد المرور بتجربة المعادلات الكاشفة ، والأجهزة الفيزولوجية المتطورة التي أكدت صحة المعلومات الهائلة التي ابتكرها العرب في هذا الميدان . ومصطلح علم الأصوات مصطلح عربي أصيل ، لا شك في هذا لدنيا ، وعلة ذلك : النص على تسميته صراحة دون إغماض ، واستعمال مدلولاته في الاصطلاح الصوتي بكل دقة عند العرب القدامى ، يقول ابن جني ( ت : 392 ه - ) : « ولكن هذا القبيل من هذا العلم ، أعني ( علم الأصوات ) والحروف ، له تعلق ومشاركة للموسيقي ، لما فيه من صنعة الأصوات والنغم » « 1 » . فهو لا ينص عليه فحسب حتى يربطه بالإيقاع الموسيقى والنغم الصوتي ، وكلاهما منه على وجه ، ولا أحسب أن هذه التسمية الصريحة بهذه الدلالة الاصطلاحية الناصعة قد سبق إليها ابن جني من ذي قبل ، فهو مبتدعها وهو مؤسس مصطلحها المسمى : ( Phonemics ) . إن نظرة فاحصة في كتابه الجليل « سر صناعة الأعراب » تؤكد بكل جلاء كونه مخططا حقيقيا لعلم الأصوات متكامل العدة والأسباب ، من خلال المفردات الصوتية الفذة التي بحثها وصنف القول فيها ، مبتدئا بتعداد حروف المعجم وضبط أصولها صوتيا ، وإيغاله في وصف مخارج الحروف وصفا دقيقا ، وتقسيمه الأصوات إلى الأقسام التي لم يزد عليها علم

--> ( 1 ) ابن جني ، سر صناعة الاعراب : 1 / 10 .