محمد حسين علي الصغير
159
الصوت اللغوى في القرآن
الأصوات ، وقارنّا عن كثب بمناسبة الصوت للصوت ، وملاءمة النطق بالحروف ، ومتابعة الأذن للموسيقى ، والسمع للنبر والتنغيم ، زيادة على ما تقدم لكنا قد أحسنّا التعليل فيما يبدو ، أو توصلنا في الأقل إلى بعض الوجوه المحتملة ، أو الفوائد الصوتية المترتبة على هذا المعلم الواضح ، واللّه أعلم . وقد يقال بأن هذا المعلم إنما ينطبق على أجزاء من الآيات لا الفاصلة وحدها ، فيقال حينئذ بأن وجود الفاصلة في هذه الأجزاء من الآيات هو الذي جعل جملة هذا الكلام موزونا ، فبدونها ينفرط نظام هذا السلك ، وينحل عقد هذا الابرام لهذا نسبنا أن يكون الحديث عن هذا الملحظ ضمن هذا البحث . ومهما يكن من أمر ، فإن ورود ما ورد من هذا القبيل في القرآن ينظر فيه إلى غرضه الفني مضافا إلى الغرض التشريعي ، وهما به متعانقان . إننا بين يدي مخزون ثم في هذا الرصد ، ننظره وكأننا نلمسه ، ونتحسسه وكأننا نحيا به ، فحينما نستمع خاشعين إلى صيغة موزونة منتظمة بقوله تعالى : إِنَّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ ( 1 ) « 1 » . فإننا نتعامل مع وقع خاص يذكرنا بالعطاء غير المحدود للنبي الكريم ، وحينما نستمع - موزونا - إلى قوله تعالى : هَيْهاتَ هَيْهاتَ لِما تُوعَدُونَ ( 36 ) « 2 » . تصك أسماعنا بلغة الوعيد ، فتخشع القلوب وتتحسس الأفئدة . وحينما نستمع - موزونا - إلى قوله تعالى : وَذُلِّلَتْ قُطُوفُها تَذْلِيلًا « 3 » . نستبشر من الأعماق بهذا المناخ الهادي ، ونستشعر هذا النعيم السرمدي بإيقاع يأخذ بمجامع القلوب ، ويشد إليه المشاعر . وحينما نستمع - موزونا - إلى قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ « 4 » . يقرع أسماعنا هذا المصير الشديد العاتي ، فيستظهره السامع دون جهد ، ويجري مجرى الأمثال في إفادة عبرتها وحجتها . وحينما نستمع حالمين
--> ( 1 ) الكوثر : 1 . ( 2 ) المؤمنون : 36 . ( 3 ) الدهر ( الإنسان ) : 14 . ( 4 ) المسد : 1 .