محمد حسين علي الصغير
150
الصوت اللغوى في القرآن
الثالث : الوقوف عند حرف معين للفاصلة في بعض السور ، والانتقال منه للوقوف عند حرف آخر للفاصلة في بعضها الآخر ، وأمثلته متوافرة في جملة من سور القرآن ، كالنبإ ، والمرسلات ، والنازعات ، والتكوير ، والانفطار ، والمطففين ، وانظر إلى قوله تعالى في سورة « عبس » وهي تواكب صوت الهاء في فواصل عدة آيات ، ثم تنتقل إلى الراء الملحقة بالتاء القصيرة بعدها في آيات آخر : يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ ( 34 ) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ ( 35 ) وَصاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ ( 36 ) لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ ( 37 ) وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ ( 38 ) ضاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ ( 39 ) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْها غَبَرَةٌ ( 40 ) تَرْهَقُها قَتَرَةٌ ( 41 ) أُولئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ ( 42 ) « 1 » . وقد لا يراد الملحظ الصوتي مجردا عند الابعاد الأخرى في فواصل الآيات ، فقد يجتمع في الفاصلة الغرض الفني بجنب الغرض الديني ، فتؤدي الفاصلة غرضين في عمل مزدوج ، فمن أبرز الصور الاجتماعية الهادفة في سورة البلد : آيات العقبة ، وتفصيلات يوم القيامة ، في تجاوز مظاهر الغل والقيد ، ومراحل الفقر والجوع ليتم تجاوز العقبة الحقيقية في القيامة ، ولا يتم ذلك إلا بتجاوز عقبات الظلم الاجتماعي ، وتخطي مخلفات العهد الجاهلي ، واقتحام القيم التي عطلت الحياة الإنسانية عن مسيرتها في التحرر والانطلاق ، وهي قيم قاتلة ، وأعراف بالية نشأت عن الطغيان المتسلط ، والتفاوت الطبقي المقيت ، فالرقّ ضارب بأطنابه ، والاستئثار شكل مجاعة بشرية جماعية ، والقطيعة في الأرحام أنهكت الأيتام ، والغنى اللامشروع فجّر سيلا من الأوضار الاجتماعية تشكل رعيلا سادرا من الأرامل والأيامى والمساكين ، ممن ألصقهم الفقر بالتراب ، أو لصقوا هم به من الفقر والضرر والفاقة ، فأحال ألوانهم كلونه ، فهم يلتحفون التراب ويفترشونه ، ولا يجدون غيره ، حتى عادوا جزءا منه ، وعاد هو جزءا من كيانهم ، فمن التراب وعلى التراب وإلى التراب . هذا المناخ المزري عقبات متراكمة ، من فوقها عقبات متراكمة ، وإزالة هذه العقبات تدريجيا هو الطريق إلى قفز تلك العقبة الكبرى
--> ( 1 ) عبس ، 34 - 42 .