محمد حسين علي الصغير
144
الصوت اللغوى في القرآن
وما ورد في القرآن متناسق حروف الروي والايقاع ، موحد خاتمة الفاصلة بالصوت ، ويقف فيه بالآية على الحرف الذي وقف عنده في الآية التي قبلها ، فلا يسمى سجعا عند علماء الصناعة « ولو كان القرآن سجعا لكان غير خارج عن أساليب كلامهم ، ولو كان داخلا فيها لم يقع بذلك إعجاز ، ولو جاز أن يقال : هو سجع معجز ، لجاز أن يقولوا : شعر معجز ، وكيف والسجع مما كان تألفه الكهّان من العرب ، ونفيه من القرآن أجدر بأن يكون حجة من نفي الشعر ، لأن الكهانة تنافي النبوّات بخلاف الشعر » « 1 » . إذن لم يسموها أسجاعا ، ولم يصطلحوا عليها قوافي ، إذ استبعدوا تسميتها بالقوافي تكريما للقرآن بأن يقاس على منظوم كلام البشر ، وستأتي معالجة هذا الرأي فيما بعد ، وأما تجنب تسميتها سجعا « فلأن أصله من سجع الطير ، فشرف القرآن أن يستعار لشيء فيه لفظ هو أصل في صوت الطّائر ، ولأجل تشريفه عن مشاركة غيره من الكلام الحادث في اسم السجع الواقع في كلام آحاد الناس » « 2 » . والمدرك الأول يساعد عليه مقتضى تفسير اللغة ، وأصول إرجاع المصطلحات إلى قواعدها الأولى ، قال ابن دريد ( ت : 321 ه ) : « سجعت الحمامة معناه : رددت صوتها » « 3 » . والمدرك الثاني يساعد عليه الاعتبار العام ، وتبادر الذهن في الفهم ، فقد شاع السجع بين العرب في الجاهلية ، واقتسمه كل من الخطباء والكهان والمتنبئين ، وتوازن استعماله متفرقا بين أصناف من الناس . يبدو مما سلف أن مما تواضع عليه جهابذة الفن ، وأئمة علوم القرآن ، يضاف إليهما علماء اللغة ، هو : أن نهاية بيت الشعر تسمى قافية ، ونهاية جملة النثر تسمى سجعا في الأسجاع ، ونهاية الآية تسمى فاصلة . وهذا التفريق الدقيق قائم على أساس يجب أن نتخذه أصلا ، وبرنامج
--> ( 1 ) السيوطي ، الاتقان : 3 / 293 . ( 2 ) الزركشي ، البرهان : 1 / 54 . ( 3 ) السيوطي ، الاتقان ، 3 / 293 .