الشيخ أحمد بن علي البوني
94
شمس المعارف الكبرى
والأدوار حقيقة الرحمانية وحق الرحيمية ، فحقيقة الرحمانية سر المزجة أعني النفخة المضافة لحضرة الربوبية الظاهرة ، وفي نسبته اللطائف المستعملة بالكثائف . وأما سر الحجب أي النشأة نبه على ذلك نبينا عليه السّلام بقوله إخبارا عن ربه إن سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه . وهذه الحجب من نسبتك لا من نسبته لأنها تستحيل من وجهين ، وتلك لا تحجب إلا جسما والحق تعالى ليس بجسم ، الثالث أن المحجوب لا بد له من جهة ، واللّه تعالى لا جهة له فحجب الظلمة حجب الآباء عن الأنوار ، وحجب النور حجب الأوليات من مبادئ الذات أي حقيقتها ولولا ذلك لزالت . واعلم أن اللطائف حاملات الكثائف ، واللطائف إذا كانت أجزاؤها أعظم من أجزاء الكثائف وسآتيه عليه بلطيفة من أسرار الأعداد وتعاقد الحروف . واعلم أن أسرار اللّه ومعلوماته اللطائف والكثائف والعلويات والسفليات والملكوتيات على قسمين : أعداد وحروف ، فأسرار الحروف في الأعداد ، وتجليات الأعداد في الحروف ، فالأعداد العلويات للروحانيات والحروف لدوائر الجسمانيات والملكوتيات ، والأعداد سر الأقوال ، والحروف سر الأفعال ، فعالم العرش أعداد ، وعالم الكرسي حروف ، فنسبة الحروف للأعداد كنسبة الكرسي للعرش ، فبسر الأعداد فهمت القدرة ، وذلك أن الباري سبحانه مدح نفسه بسر الأعداد في قوله تعالى : وَكَفى بِنا حاسِبِينَ وجعل مدحه للحروف عائدا عليه في قوله تعالى : اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الآية ، ولما كان الكرسي الواقع متصلا بذات الكرسي المحيط ، فآخر أحدهما الأول ، والآخر هيئة الحروف من الأعداد ولذلك أخر مرتبة الحروف ، فبسر الأعداد فهم سر العقل الرباني ، وبسر الحروف فهم سر الروح الروحاني ، فآخر مرتبة العقل أول مرتبة النفس العلوية وهي الفيض الأول أيضا ، كما أن الحروف مأخوذة من حرف الشيء وهو طرفه ، وكان العدد أوله وأوسطه ، ولكل أول وسط وطرف ، فبسر الحروف فهم سر الكرسي الأعلى ، والكرسي الواسع الأبهى ، وذلك أن الذوات من العالم العلوية والسفلية مختلفة باختلاف ذواتها في الكرسي الأعلى ، واختلاف نقلها وأطوارها في الكرسي الأبهى ، فالكرسي الواسع أول مبادئ العرش من نسبة أول انبعاثات الحقائق الملكوتيات ، واستمداد آخر درجة من السفليات أول درجة من العلويات . واعلم أن العرش الأبهى فيض النور الأول ، والكرسي الواسع فيض النور الثاني ، والكرسي الأعلى فيض النور الثالث ، فالفيض الأول أعني الثالث وهو الأول والثالث هو أول الحروف ، وآخر مرتبة العدد وهو السر المعبّر عنه بحقيقة البشر الذي فيه التنبيه بقوله تعالى : إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ ، ثم لما كمل القبضتين وجبت مخاطبته الحقيقة باسم الحقيقة الإنسانية فقال تعالى : فَإِذا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ ساجِدِينَ يعني القبضتين الآخرتين ، والفيض الأول فالعالم بأسره علوية وسفليه بحقيقة هذه الثلاث إضافات ، فمن العالم من حمل فيها فيضا ، ومنهم من حمل فيضتين ، ومنهم من حمل ثلاثا ، وهو العالم القطب الحاوي ، ولذلك كان الحامل ثابتا لذواتها على أصل فيض كراسيه المعلومة غير مبدل لحقائق أعداد نفسها ، ولا مغير لذوات جرمها بما يظهر في عالم الحقيقة الجلية البشرية . وسر