الشيخ أحمد بن علي البوني

76

شمس المعارف الكبرى

وبعد هذا الإدراك يستعمله ، فهذه رتبة إدراك اللفظ ، وتحقيق المعنى واستعماله في مقتضاه ، فإذا أدرك الإنسان اللفظ وتحقق كماله فهذه الحقيقة ، فيبقى وجه الاستعمال فيستعمله ، ولا جرم أن بهذا تحصل النمرة وتحمد المنفعة ، وهذا وجه الاعتبار واللفظ له حالان . أحدهما : أن يجريه اللّه تعالى على لسانه من غير أن يعلم أنه اسم اللّه الأعظم ، فهل يكفي أي هذين ، أو لا يكفي واحد منهما ؟ أو يكفي الثاني دون الأول ؟ وهذا كله فيه نظر . وقد يأتي على وجه يحصل به الاطلاع على اسم اللّه الأعظم وهو جريانه على اللسان ، ولم يشعر أنه هو ، وهذا أخلص الدرجات ، وهو مبني على الاتساع والأطماع في رحمة اللّه تعالى ، والذي يحصل به للعبد الكمال وهو : إدراكه على الحقيقة ، وما عدا ذلك ففيه بركة وخير . ويقع التفاوت في ذلك بحسب درجات الإدراك ودليله : هل يستوي من خصه اللّه تعالى ، فإن جرى هذا الاسم على لسانه مع من لا يخصه اللّه تعالى بذلك ولا يجري على لسانه ، بل يدلك على حصول بركته كيف كان ، وقس على هذه المرتبة ما بعدها من المراتب . والإدراك إما أن يكون نقلا بأن يعلم به ويقال : هذا هو الاسم الأعظم العظيم الخير ، وكذا وقع في الأسماء الجبار والجليل والجواد والمجيد والماجد والجامع ، فإنها تدل على الخير العظيم قال تعالى فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ ومن أسمائه تعالى الخبير قال تعالى وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ وأما الذي يدل على الزينة والزهو قال تعالى : وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وقال تعالى زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ والزهو زيد صلاح الثمار . وقيل : زينة الأشجار بالثمار . وأما الشين فتدل على الشهيد والشهادة لقوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُوا الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ والمشاهدة هي المعاينة والشهداء أحياء عند ربهم يرزقون والشرب قال تعالى : يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كانَ مِزاجُها كافُوراً ثم قال تعالى : عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا والشفاء قال تعالى : وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ ما هُوَ شِفاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وقال عليه الصلاة والسلام : « شفاء أمتي في ثلاث : آية من كتاب اللّه تعالى ، أو لعقة من عسل أو كأس من يد حجام » وفي رواية : أو شرطة محجم . وأما الظاء فتدل على الظل الممدود والظهور هو ظل ممدود قال تعالى : عَلَيْها يَظْهَرُونَ وقال تعالى : فَأَصْبَحُوا ظاهِرِينَ وتدل على الظهور للمرغوب ، ومن أسمائه تعالى الظاهر . وأما الفاء فتدل على الفطرة والفاكهة والفطور قال تعالى : فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها وقال تعالى : فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وقال تعالى : هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ وقال تعالى : فاكِهُونَ هُمْ وَأَزْواجُهُمْ فِي ظِلالٍ وقال تعالى : وَفاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ فهذه أهم من تلك ، والثاء والزاي والجيم هي حروف باردة ، وطبعها طبع الماء ، والقمر طبعه طبع الظل الممدود وجنة الخلد ، والخاء والشين باردتان يابستان طبع التراب وطبع الماء ، والضاد رطب ، والفاء حارة يابسة طبع النار ، ولها من الدراري القمر والشمس واجتمعت في سبعة أسماء . والأول الثابت الذي يثبت العباد الجبار الخبير والولي والظاهر والفرد والشهيد ، والثاء لم تظهر في اسم من أسمائه تعالى إلا في اسمه : الوارث والباعث في آخر مرتبة العالم ، والمعنى فهو مثنى الجمع في اسمه تعالى : الباعث ، وتشير للمعنى في اسمه تعالى الوارث ، وليس في حروف المعجم ما ينقط ثلاث نقط إلا الثاء والشين لإحاطة الشين عمن سواه ،