الشيخ أحمد بن علي البوني
591
شمس المعارف الكبرى
تمهيد ليعلم أولا أن اللّه تعالت نعوت جلاله ، وجلت سمات كماله ، في قدس أزليته ، وكنه أبديته ، وعز ربوبيته ، وعظمة أحديته ومجد صمدانيته ، وحكم مشيئته ، وقسر إرادته ، ونفوذ قدرته ، عن مدارك أقيسة العبارات ، وإحاطة قضايا العقول ومواد الإشارات قد قضت حكمته ، واقتضت مشيئته ، بإيجاد الهيولى واختراع الجنس من العوالم العلوية والسفلية ، على ما اقتضته القدرة الإلهية والحكمة الربانية ، من إبداع أجناس المكونات وتفصيل أنواع المخلوقات فأبرز بتجلي أحديته ، في مقام واحديته ، بفيضه الأقدس ، وتجليه المقدس ، خلاصة المجردات من عين صميم اللطف تكثيرا لموانع التعدد مع الاتحاد فكان المتحرك يلازمه من الجوهرين فدخلت مجازات الواحدية الفائضة عن حقائق تجليات الأحدية ، فجوزت ما امتنع قديما ، أو تكاثر الصادر الثاني بالنسبة إلى الأول والثالث إليه حتى انختم الدور على النوع الأوسط ، فسمي العالم الصغير وهو العالم الإنساني والهيكل الجسماني ، المنطوي في هيولاه النفسانية ، وحقيقته الروحانية ، عوالم الملك والملكوت ، والمودع فيه بيت معمور العزة والجبروت ، والممتاز في خصائص شأنه ، بأصغريه قلبه ولسانه كما قيل فيه : أتحسب أنك جرم صغير * وفيك انطوى العالم الأكبر ففيه شبه كل شيء من العالمين العلوي والسفلي ، وكل عالم علوي له تعلق تدبير لما يناسبه من السفليات بحكمة القادر العليم العزيز الحكيم ، فمخارجه كالبروج اثنا عشر : الحمل والعقرب للعينين ، والثور والميزان للأذنين والجوزاء والسنبلة للمنخرين ، والسرطان للفم ، والأسد للسرة ، والقوس والحوت للثديين ، والجدي والدلو للسبيلين ، وحواسه الخمسة للمتحيرة الخمسة كقسمة البروج ، ونفسه كالشمس بجامع عدم التغير ، وعقله كالقمر لاتصافه بهما ، وعروقه كالدرج ، ومفاصله كالدقائق ، وحالاته كالجهات وأدلتها لما هو من الشؤون والخصوصية ، فأول البروج لدلالة خصوصية النفس والحياة وما يتعلق بهما من ابتداء الأمور والمقاصد ، وثانيها لمقاصد الكسب والمال وشؤون الأعمال ، وهكذا مما تدل عليه جواهرها وطبائع أربابها ، فهو بكليته الجامعة له الارتباط بالعلويات من حيث الدلالات والحالات ، وهكذا العوالم السفلية لها الارتباط بالعوالم العلوية ، فبين العالمين تطابق وارتباط وتصادق ، فالفلك بيت وجسد ، والكوكب سكن وروح ، والشمس سلطان وسط الوجود كالقلب في البدن ، والقمر النائب الخاص الذي له النقض والإبرام عن السلطان كالعقل ، وعطارد الكاتب ، والزهرة المطرب والمرقص ولها الزينة والنساء ، والمريخ السياف المتعلق بالدماء ، والمشتري القاضي وصاحب الدين والعلم ، وزحل الخازن الأمين ، وهذه في أماكنها أصول ، وفي غيرها تتفاوت على ما في أبواب الكون والفساد وشؤون المناظرات ونوادر القضاء ، ولا طبع ولا طعن ولا لزوم للفلك في شأن من الشؤون وحال من الحالات وحيثية من الحيثيات ، فإن المطلق في البساطة لا يتصف بصفات المركبات ، وإنما يوجد اللّه عز شأنه ، وتبارك أمره وسلطانه في المركبات ذلك بواسطة التركيب ، ويجعل الفلك دليلا عليها بباهر قدرته وعظيم حكمته ، وقد جعل اللّه تبارك وتعالى في السبعة العلويات سر الاهتداء بقوله