الشيخ أحمد بن علي البوني

56

شمس المعارف الكبرى

وقد أشار بعض الأئمة أن من أخلص المجاهدة والرياضة ، وتخلص من الشهوة والغضب والأخلاق القبيحة والأعمال الرديئة ، وجلس في مكان خال وغلق طريق الحواس ، وفتح عين النظر والسمع ، وجعل القلب في مناسبة عالم الملكوت واجتهد ، وقال اللّه اللّه دائما بالقلب دون اللسان إلى أن يصير لا وجود له من نفسه ، ولا يرى إلا اللّه تعالى ، انفتحت له طاقة ينظر منها ويبصر في اليقظة الذي يبصره في النوم ، ويظهر له أرواح الملائكة والأنبياء والصور الحسنة الجميلة ، وينكشف له ملك السماوات والأرض ، ورأى ما لا يمكن شرحه ولا يدرك وصفه . قال النبي صلى اللّه عليه وسلم : زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها كلها . وقد قال لنبيه صلى اللّه عليه وسلم : وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا والتبتيل معناه الانقطاع عن كل شيء وتطهير القلوب ، والابتهال إليه بالكلية وهو طريق الصوفية في هذا الزمان . واعلم أن من خواص الربوبية علم أسمائه الحسنى وصفاته العلية العظمى ، خصوصا اسم اللّه الأعظم الذي اختص به وحده بجلاله ومجده لا إله إلا هو ، لا والد له ولا ولد ، إنما اللّه إله واحد ، ولذلك قال بعض الأولياء لبعض العلماء أريد أن أعلمك فائدة لعلك تقدر عليها فقال : نعم فقال له : تداوم على ذكر اللّه تعالى وهو قولك : اللّه اللّه اللّه لا تذكر سواه ، وتصوم نهارك بشرط الرياضة ، وتقوم ليلك ما استطعت ، ولازم على الذكر لا تفارقه ليلا ولا نهارا ، ولا تكلم أحدا ، واختل عن الناس سبعة أيام تظهر لك عجائب الأرض ، ثم لازم على ذلك سبعة أيام أخرى ، تظهر لك عجائب الملكوت الأعلى ، وإن بلغت أربعين يوما أظهر اللّه لك الكرامات وأعطاك التصريف في الموجودات . وقد تكلم الناس في كنه ذات اللّه تعالى وهو معلوم للبشر أو لا ، وقال به غير معلوم قال : لأن الشيء يعرف بالعيان إذا حضر وبالمثال إذا غاب ، واللّه تعالى ليس كمثله شيء ولا يرى بالعيان قال تعالى : لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ وقال بعض المحققين لما ثبت قدمه تعالى بلا ابتداء ، وبقاؤه بلا انقضاء ، ووحدانيته لا عن عدد ، وصفاته خارجة عن صفات الخلق وجب أن لا يبلغ كنه صفته الواصفون ، إذ لو كان كذلك لظهر له حد ومثال ، وهو يؤدي إلى الذهاب والفناء ، وهو محال في حق اللّه تعالى . وقال المحاسبي رحمه اللّه تعالى : لما نزل جبريل على النبي صلى اللّه عليه وسلم بالاسم الأعظم في ورقة من ورق الجنة ، مطبوعة بخاتم مسك مكتوب فيها : اللهم إني أسألك باسمك المخزون المكنون ، الطاهر المطهر ، القدوس الحي ، القيوم الرحمن الرحيم ، ذي الجلال والإكرام ، قال أنس : قالت امرأة علمنيه يا رسول اللّه فقال صلى اللّه عليه وسلم : لا نعلمه النساء والصبيان . وقد سأل بعض الأحبار بعض الأئمة أن يجمع له ألفاظا يدعو بها في مهماته فكتب له هذا الدعاء المبارك وهو هذا : اللهم إني أسألك باسمك بأنك أنت اللّه المقدس في حقائق محض التخصيص ، وبأنك أنت اللّه على كل حال من أحوال الجد والتعديل ، وبأنك أنت اللّه المقدس بخصائص الأحدية والصمدية على الضد والند ، والنقيض والنظير ، وبأنك أنت اللّه الذي ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ، أن تصلي على سيدنا محمد ، وأن تقضي حوائجي كلها قضاء يكون فيه خير الدنيا والآخرة ، محفوظا بالرعاية من الآفات ، ملحوظا بخصائص العنايات يا عوّادا بالخيرات ، يا من هو في الحقيقة أهل التقوى وأهل المغفرة وأهل الحسنات ، اللهم إنها