الشيخ أحمد بن علي البوني
532
شمس المعارف الكبرى
ويسقى لشارب الخمر أربعين يوما ، فإن اللّه تعالى يتوب عليه ، ويوفقه للعمل الصالح واللّه الموفق . وهذه صورته : وأما الذكر القائم به فتقول : بسم اللّه الرحمن الرحيم اللهم أنت الرشيد الذي ألهمت أهل طاعتك الرشد بالصواب والسداد ، وألهمت الذاكرين التوفيق بالإقبال والاعتماد عليك ، أسألك يا من أعطى كل شيء خلقه من الموجودات ودبره لما من شأنه من التدبيرات ، أسألك أن تديم نظرك إلي بالتدبير والرشد يا اللّه يا رشيد . فصل في اسمه تعالى الصبور بسم اللّه الرحمن الرحيم اعلم أن الصبور هو الذي لا تحمله العجلة على المسارعة إلى الفعل قبل أوانه ، بل يترك الأمور بقدر معلوم ، ويجريها على سنن معدود ولا يؤخرها عن أجلها المقدور ، ولا يقدمها على أوقاتها ، ويودع كل شيء في أوانه على وجه ما اقتضاه من الحكمة الإلهية ، وكل ذلك من غير مواساة ، ولا زيادة ولا نقصان وهو على أقسام : صبر الروح وهو التلقي لنعيم الجنان ، وصبر القلب على ما أودعه اللّه تعالى ، وصبر العقل على ما يقتضيه الدليل من الأفعال ، وصبر الجسم على ما يقاسي من الأمراض والأسقام كما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « من صبر على حمى يوم كانت كفارة سنة » وإن العبد لا يسمى صبورا لأنه مقهور عند العجلة ، والحق تبارك وتعالى منزه عن العجلة ، ولم يكن أحد أصبر من اللّه تعالى ، ينظر العاصين في معاصيهم وهو قادر على إهلاكهم ولا يعذبهم بذلك في الدنيا بل يمهلهم ، وهذا الاسم يقتضي معنى التواب وهو الذي لا يؤاخذ بالذنب ، وذلك لما ظهر من خوف سطوته وطمعا في رحمته ، والعبد تارة يتوب بالرغبة ، وتارة يتوب بالرهبة ، والتوبة هي الرجوع ، ورجوع العبد إلى ربه امتثال الطاعات وإقبالها ، وذلك عود من اللّه تعالى إلى العبد ورحمة ، وإن العبد إذا أذنب بطنت الفكرة وحجب الإيمان ، فإذا تاب رجع إلى الفكرة والنور الإلهي . واعلم أن التوبة على قسمين : قسم أصلي وقسم فرعي ، فأما القسم الفرعي : فهو ما دبّ إليه لينظر من عجائب اللّه تعالى ، والقسم الأصلي هي توبة اللّه عليك لتقابل توبتك للّه تعالى توبة اللّه لك كما قال تعالى : ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا فهذا هو القسم الأصلي ، وأما القسم الفرعي فقوله تعالى : وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ الآية ، والذنوب منها ظاهر ومنها باطن ، وكذلك التوبة تنقسم إلى قسمين : قسم ظاهر وقسم باطن ، فالقسم الظاهر التوبة من الذنوب وهو ظاهر ، وذلك مخالفات ظواهر الشرع بمجريات التقادير ، فتوبته ترك المخالفات واشتغال الجوارح بأنواع العبادات ، وأما الذنوب الباطنة فللقلب ذنوب ، وهي الغفلة عن الذكر فلو صمت لسانه لم يصمت قلبه . تنبيه : النفس ذنوبها القيام بعالم الشهوة ، فالمطلع للعادات وإلزام المألوفات ، وتوبتها قطع علائق الدنيا ، والأخذ باليأس مع القناعة والتعفف ، وأما العقل فذنوبه التطلع للكرامات ، والاستغراق في