الشيخ أحمد بن علي البوني
469
شمس المعارف الكبرى
ومن شر الشيطان ومن كل شاغل يشغلني عنك يا اللّه يا بارىء ، أسألك أن تسخر لي عبدك تملسيائيل يكن عونا لي على أمري بحق اسمك البارىء . ما من عبد تلا هذا الذكر يوم الثلاثاء وكان مسجونا إلا خرج من سجنه ، أو هم أو غم ، إلا فرج اللّه عنه ، ومن اتخذه ذكرا ، رزقه اللّه المحبة والمهابة ، وإذا أكثر من التلاوة ، أتته العوالم كلها وخاطبته بخفيات الأمور . فصل في اسمه تعالى المصور اعلم أن المصور هو المصور للشيء والمميز له عن سواه ، فالخلق هو الإيجاد والتصوير والتشكل تمام الاختصاص على النوع الإرادي قال تعالى وَلَقَدْ خَلَقْناكُمْ يريد إظهار القدرة على الإيراد الأول وهو عالم الرتق ثم قال ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ بعطف المهملة لأن بين اليوم الأول يوم الإيجاد ، وبين يوم الإبراز ما لا يعلم قدره إلا اللّه قال تعالى : يا أَيُّهَا الْإِنْسانُ ما غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ يريد إيجاد القدرة فَسَوَّاكَ يريد الباطن وهو محل التسوية والتبديل في اليوم الثاني ، والثالث للطور الثالث في قوله فِي أَيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ ومنه سر المصورات ، وإن الأرواح صور الحق ، والصور هي صورة الروح ولم تحي إلا بنفخة اللّه ونفخته سر الحياة . واعلم أن الصور تنقسم قسمين : ظاهرة وباطنة ، فالظاهرة ما برز الشكل منه ، والباطنة ما أدرك باطنة بعين البصيرة . واعلم أن عالم الأسماء هو أفلاك الوجود ، والصورة الباطنة هي عبارة عن الفطرة ، فالفطرة برازخ بين الأسماء والأفعال ، فحقائق الأسماء والأفعال ظهرت إحاطته بالوجود وهي دائمة الشهود كاشفة للمبدأ الأول مطلقة على المنتهى المآلي ، فهي سر الروح والنفخة الإلهية ، وخلق اللّه جميع الموجودات بأسمائه وأفعاله على التفرقة ، واخترعها على الجملة والتفصيل ، وأودع ذلك بالفطرة الزوجية إلى اليوم الأول في الأزل ، ولذا توجهت له وصمدت لمعرفته واشتاقت إلى لقائه والإقبال على أوامره ، ومن كشف له أسرار الملكوت شاهد ذلك كما رأى إبراهيم عليه السّلام حيث استشكل حقائق التركيب بقوله تعالى : وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتى قالَ أَ وَلَمْ تُؤْمِنْ قالَ بَلى وَلكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي وكانت هذه محتوية على ثلاث معان : ابقاء الجسم سر الحياة وهي الروح ، والثاني ظهور أحكام الرجعة إلى الدار الآخرة من سر النفخ في الصور والجمع ، والثالث وهو أعظم الأطوار أعني إحياء الموتى في العالم الجسمي والمعنوي ، فكانت مسألة إبراهيم عليه السّلام محتوية على هذه الأطوار الثلاثة له قال تعالى فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ كما صرتهن في فطرتك إلى أسماء الذات وأسماء الصفات وأسماء الأفعال وأسماء المعاني ، ثُمَّ اجْعَلْ عَلى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً أراد بالجبال الرواسخ وهي الأصول ، فجعل الأول جبل الذر في اليوم الأول جزءا ، والجبل الثاني جبل الفطرة في اليوم التصويري جزءا ، وعلى جبل يوم البرزخ جزءا ، وعلى جبل يوم البعث جزءا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً ، وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ فلما نظر إبراهيم سر الفطرة فوجد العالم كله مركبا من هذه الأطوار ومقاما بهذه الأسماء وظهر له حق اليقين ، فأراه اللّه بعد ذلك عجائب الملكوت كما قال تعالى وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ .