الشيخ أحمد بن علي البوني
158
شمس المعارف الكبرى
لموسى مقام ، ولا له حركة القبول بالكلام ألا تنظر إلى نعوت فتكون أنت المخاطب والمخاطب جميعا ، وعلى هذا الوجه إخبار النبي صلى اللّه عليه وسلم بقوله عن اللّه عبدي مرضت فلم تعدني إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ في الحالين عبدي أحب من إذا مرضت عادك ، وإذا تبت تاب عليك وعصارة الإشارة أن تقطع نفسك عنك بتركك كل ما يقطع عن صفتك ، واجعل قلبك بيته ، ووجودك مكة ، وشهودك الحرم ، وأدم طوافك حول البيت طوافا سرا بحد اللّه كوجود البيت وسر به حبا مشاهدة الحي القيوم ، فإنه شديد الوجود ، وتكوين الصفات ، وبسر الحالات . وهذه الإشارات تدل على إثبات فردانية إله المقدرة من المبادئ والغايات . فصل : واعلم أن من خواص القرآن قوله تعالى : شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ - إلى قوله - الْحَكِيمُ ، وفي هذه الآية 3 معان . الأول : ما بدأ اللّه له نفسه لنفسه ، وهو تصديق واجب الوجود في الأزمان ، وأنار صفات وجود معيته منه صفة لعظمته وكبريائه وصفاته المانعين عن معية من سواه معه ، والثاني : النظر إلى ما شاء اللّه بملائكته لتصديقهم حال الوجود له ، فتلك شهادة وجوده ومعرفة عنايته ، يستحيل فيها الرتب لتقديس الملائكة من غشاوة والنفسانية والمظلمات الصورية ، والثالث : ما ثبت اللّه لعباده ووصفهم بالعلم القائمين بالقسط وبالتصديق له . وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : تقدير الكلام شهد اللّه بنفسه وإن لم يكن شهد له أحد غيره بأنه لا إله إلا هو والملائكة يشهدون له بذلك ، وقوله وَأُولُوا الْعِلْمِ يعني النبيين والمؤمنين يشهدون له بذلك قائما بالقسط أي العدل لأنهم أهل العدل ، ولأن معنى العدل وضع الشيء في موضعه ولا يكون ذلك إلا بالعلم ، ولا إله إلا هو العزيز الحكيم ، العزيز بالنعمة عمن لا يؤمن به ، الحكيم بما شهدوا من أنه لا إله إلا هو وأن لا يعبدوا إلا إياه وأنّ الدين عند اللّه الإسلام . فصل : واعلم أن حقيقة الشهادة بالتوحيد ما شهده الحق لنفسه ) ، لأنه هو شاهد ذاته ، واستشهد من استشهد من خلقه قبل خلقه إياهم ، تنبيها لهم بأنه عالم بما يكون من شهادته لنفسه بما شهد شهادة صدق وعلم ، حتى لا يقبل شهادة إلا من الصادقين الموحدين ، الذين سيأتون ويعرفونه ويوحدونه ويتشهدون إلهيته وربوبيته لقوله تعالى شَهِدَ اللَّهُ الآية فتلك شهادة اضطرار لما يشهدون من كبرياء ملكه ، وآثار غيبه ظاهرة ، لأنهم جبلوا على ذلك ثم قال تعالى وَأُولُوا الْعِلْمِ أي العلماء الذين هم أرباب الحقائق المخزونة في حقائق التوحيد ، والمشيرون إلى التقرير ، المعبرون عن معاني الأحوال الذين ينفردون عن الكل بالفرد ، ويوحدون الأحد الصمد ويعلمون معاني أسماء الحق وحقائق صفاتها ، ويعاينون الغيوب وهم حجة اللّه في البلاد وإليهم مفزع العباد ، حطوا رحالهم في الحضرة ، وعلت مراتبهم في مقعد صدق عند مليك مقتدر وقال ابن عباس رضي اللّه عنه : شهد اللّه بهذه الشهادة قبل أن يخلق الخلق بألفي عام . وفي رواية باثني عشر ألف سنة ، كل سنة 360 يوما ، كل يوم ألف سنة مما تعدون . والمأثور عن إخوان الصفا عدم الخوض في أبحر الدلالة لأنه موجب التفرقة ، بل عليهم الخوض في أبحر الفهم عند سماعهم قول اللّه شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ فإنه موضع السجود لغني الوجود بالوجود ، الذي من الأسرار في هويته هو الأول في الأول ، والآخر في الآخر . ثم بعد ذلك