الشيخ أحمد بن علي البوني
156
شمس المعارف الكبرى
الإلهام ، وهذه الحضرة القدسية عند سدرة المنتهى والقدس وهو المنزه من العيوب ، والنقص للكمال الذي تظنه الخلق كمالا بصفاتهم ، والجاهل والأعمى وغيره ناقص في ذاته . واعلم أن كنز التوحيد الشافي ومشربه الصافي إنما هو في سورة الإخلاص وما يناسبها ، فلذلك يقال إنها ثلث القرآن ، والقرآن يحتوي على قصص وأحكام وتوحيد ، فتأخذ في شرحها ومفهوم سرها من النظر والعقل ، ونحن نختصر من معانيها وعيون جواهرها ، فنقول وباللّه التوفيق قوله الحق : قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وهو الذي يكون فيه لذاته ، وهو واجب الوجود ، وهو الذي لا إله إلا هو ، وهو الذي يكون لذاته هو هو ، بل هو ذاته هو هو لا غير ، فتلك الهوية والخصوصية معنى الاسم ، وذلك هو كون تلك الألوهية إلها ، فإن الإله هو الذي ينسب إليه غيره ، ولا ينسب هو إلى غيره والإله المطلق هو الذي يكون كذلك مع جميع الموجودات ، وكونه ينسب إليه غيره . ولما كانت الألوهية ألوهية مما لا يمكن أن يعبر عنها بلوازمها ، واللوازم منها إضافية ومنها سلبية ، والإضافة أشد تقريبا من السلبية ، والأكمل في التصريف هو اللازم الجامع لنوع الإضافية والسلب ، وذلك لكون تلك الألوهية إلها ، فلا جرم عقب قوله بذكر اللّه تعالى ، فيكون كالكاشف لما دل عليه اللفظ ، وهو كالشرح لذلك . ومنها أنه لما شرح تلك الهوية بلوازمها الإلهية عقب ذلك بأنه الأحد وهو الغاية في الوحدانية فألوهيته هي الغاية في الوحدة وكمال بسطها التي تقصر عنه العقول في ابتدائها ، والوقوف دون مبادئ إشراق أنوارها الذي سبحانه ما أعظم شأنه وما أقهر سلطانه ، هو الذي تنتهي إليه الحاجة وتنال الإرادة ، ولا يبلغ أدنى ما استثنى به من الجلال والعظمة والعطية أقصى نعوت الناعتين ، وهو أعظم وصف الواصفين ، بل وقضية المكره الذي ذكره في كتابه العزيز وفقه شكر وهي صفاته تعالى ، وإن كان لا يمكن بغيره معرفتها إلا بواسطة الإضافة ، إلا أنه جل وعلا عالم بها ، فلذلك لم يذكر تلك الماهية واقتصر على تلك اللوازم فنقول : ليس للمبدأ الأول شيء من المقدمات ، فإنه وحدة محضة صرفة منزهة عن الكثرة عن جميع الموجودات ، ولتلك الوجوه لوازم ، فإذا ذكرت الهوية وشرحها باللوازم القريبة دون البعيدة ، يشعر بهدم المقدمات إذا كان له مقدمات لم يكن واجبا لذاته ، ولكان وجوده موقوفا عليه . وقوله أَحَدٌ مبالغة في الوحدة ، ولا تتحقق إلا إذا كانت الوحدة بحيث لا يكون ابتداء ولا أكمل منها ، فإن الواحد مقول على وحدانيته تحته بالتشكيل ، فالذي لا ينقسم بوجه أصلا ، ولا بالوحدانية من الذي ينقسم من بعض الوجوه ، وبرهانه أن كل من تحت هويته إنما يحصل من اجتماع أجزاء كانت هويته موقوفة على حضور تلك الأجزاء فلا يكون هو لذاته كما دل عليه قوله الصَّمَدُ تفسيران في اللفظ أحدهما : الذي لا جوف له والثاني السيد ، فالأول يعني الإشارة إلى النفس الإلهية ، فإن كل ما له ماهية كان له جوف وباطن وهو تلك الماهية وما لا باطن له وهو موجود فالإله والاعتبار في الذات إلى الوجود ، وعلى التفسير الثاني معناه إضافي ، وهو كونه مبدأ الكل ويحتمل أن يكون كذلك مفتقرا إليه وهو لا يفتقر إلى غيره . وقوله لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ لما بين أن الكل مستند إليه وأن المعطي وجوده بجميع الموجودات ، وهو الفياض عليهم بين أن كلا ممتنع عنه أن يتولد عنه مثله ، فإن من كان كذلك كانت ماهيته مشتركة بينه